كيمي جيمس أواي
مرت بالامس ( 30 يوليو) الذكري الخامسة لرحيل القائد الرمز الدكتور جون دي مبيور الاب الروحي لنضال جنوب السودان في حربه الثانية ضد المركز و حكوماته الباشطة. وهذه المرة تطل علينا هذه المناسبة و جنوب السودان يقف عند مفترق الطرق في بحثه الدوؤب عن ذاته و عن إثبات وجوده بين الامم ككيان له سيادته وإستقلاله وغير خاضع لإرادة الاخرين .
فبعد أقل من ستة أشهر من الان سيجري الاستفتاء في كل عموم الاقليم ليختار الجنوبيون بين خيارين لا ثالث لهم : الانفصال او تأكيد الوضع الحالي للسودان . و يمثل الاستفتاء أخر استحقاقات إتفاقية السلام الشامل الموقع في كينيا بين حكومة السودان و الحركة الشعبية لتحرير السودان في يناير عام 2005 ، وهي الاتفاقية التي اوقفت ما كان يعرف باطول حرب داخلية في قارة افريقيا و اكثرها دموية في القرن العشرين.
حصاد الخمسة الاخيرة من الحكم الذاتي في الجنوب كان مخيباً للأمال الكبيرة التي إنعقدت في افئدة المواطنيين و المناضلين بعد توقيع إتفاقية السلام الشامل مباشرة. حيث إتسمت خلاف التوقعات ، الاداء الحكومي و الحزبي بالضبابية و غياب الرؤية و بالتالي غياب استراتيجية واضحة راشدة للحكومة في وضع السياسات التنموية و الخدمات الاساسية للمواطنين . وقد خلق غياب الرؤية هذه حالة من البلبلة الادارية و ما يشبه الفوضي في دولاب العمل الحكومي في جوبا وفي الولايات العشرة بلا إستثناء، حيث تجد الموظفين في اوقات الدوام الرسمية عاطلين عن العمل و يقضون جل وقتهم في ارتشاف الشاي و الثرثرة و احياناً في لعب النرد .
كل هذا إنعكس بشكل سلبي علي حياة المواطنين و الموظفين أنفسهم فساءت أحوالهم المعيشية .و من المعروف بمكان إنه لا يوجد في الجنوب اليوم من يقبض راتبه الشهري في ميعاده الا السادة الوزراء ووكلاء الوزارات و أعضاء الطاقم الرئاسي المحترمين . وقد بلغ الامر مبلغاً أن خرج في يوم الايام الاطباء في مستشفي جوبا في تظاهرة و إمتنعوا عن تقديم الخدمات الطبية للمرضي إحتجاجاً علي تأخر مرتباتهم ، وبدلا من ان تقوم السلطات بالتحدث اليهم و الاستماع الي شكواهم كما تقتضي الطرق الديمقراطية قمعت الشرطة المظاهرة بوحشية تحسدها عليها شرطة أمن المجتمع التابع للمؤتمر الوطني نفسها !
رغم كل هذه المحن ، حافظ الجنوبيون علي بيضتهم من التدحرج فوق الحجارة الكثيرة التي وضعت في الطريق و صابروا بجلد و نكران علي تلك الظروف القاسية ، مصوبين عيونهم علي عملية الاستفتاء التي تبقت لها خمسة أشهر و نيف، وذلك حتي لا يقوم المؤتمر الوطني الذي يتحين الفرصة بالصيد في المياه العكرة و إستثمار هذه التناقضات الداخلية لعرقلة الاستفتاء او تحويله الي مسخ مشوه لا يعكس ارادة الشعب الجنوبي .
لكن التحدي الاكبر الذي يهدد الان بتقويض هذا الصبر و يقلب الامور الي ما قد لا يحمد عقباه هو الفتنة القبلية التي ضربت – و لم تزل- تضرب باطنابها مناطق كثيرة في جنوب السودان ، حيث تولد انطباع عند قطاع كبير من المواطنين في الجنوب بدأ يتحول الي يقين ان الجيش الشعبي لتحرير السودان لم يعد هو ذلك الجيش الثوري الذي كان من المواطن و الي مواطن و كان يعتمد عليه إعتماداً كبيراً في نضاله ضد القوات الحكومية، و كان أكثر إنضباطاً مما هو عليه اليوم ، وأكثر طمانينة بالنسبة للمواطن من اي كيان أخر.
ففي كثير من المواجهات القبلية التي إندلعت في جنوب السودان بعد توقيع إتفاقية السلام الشامل كان دور الجيش الشعبي دائماً محل تسأؤل ، سواءاً كان السؤال حول ضلوع افراده في هذه الصراعات او حول قدرته علي حفظ الامن في الولايات العشرة و حسم المتمردين . هذا السؤال ما يزال يطرح اليوم وبالحاح أكثر من أي وقت مضي في قضية جورج أطور و كذلك في الاعمال اللاخلاقية التي تجري الان في مملكة شلو كما اوضحت ذلك في مقال سابق لي نشر هنا في الموقع ، وسيظل هذا السؤال مطروحاً في المستقبل حتي \" يكضب الله الشينة\" و يقضي أمراً كان مفعولاً.
خمسة سنوات من غياب القائد ، ولايزال المواطن في الجنوب مشرد و نازح في بلده ، لايزال خائفاً من المجهول و جائع لانه لا يستطيع الزراعة او عمل أي شئ لمستقبله بسبب كل هذه الضبابية . خمسة سنوات من الغياب و لايزال المواطن الجنوبي غير قادر علي ارسال ابنائه الي المدارس و زوجته الي العلاج لانه لا يملك ما يسد به رمقه، بينما يرفل قادته في النعيم ويرسلون ابنائهم الي مدارس في استراليا و كندا و امريكا و الي بلاد الجليد في اقاصي الدنيا و يتعالج زوجاتهم في افخم مستشفيات الخرطوم و الاردن علي حساب اموال التنمية!
إن أفضل طريقة لنا كجنوبيون بكل مشاربنا السياسية و تنوع تشكيلاتنا القبلية لتذكر قائدنا الفذ الدكتور جون قرنق هو إن نكف عن الاقتتال و التناحر القبلي اياً كانت المبررات و ان يكف الجيش الشعبي عن الانحياز ويغسل يده و يبتعد تماماً من موائد السياسيين و يضطلع بواجباته في حفظ الامن و صيانة الحدود و الذود عن الاعراض بدلاً من الانغماس في الصراعات السياسية ، و فوق كل هذا يعمل علي استرداد سمعته الطيبة عند المواطن التي تلطغت كثيراً بفعل هذه الحوادث ، حتي يعيد الثقة فيه من جديد.
هذه هي الشموع الحقيقية التي يجب ان نوقدها في كل بيت و قرية و في كل مدينة في جنوب السودان والاهم في قلوبنا نحن ابناء الجنوب . عندئذ سيكون جون قرنق نائماً بسلام في قبره لأننا لم نخذله كما انه لم يخذلنا في يوم الايام إثناء حياته الحافل بالعطاء و البذل ، و هو الذي كان قائداً تجاوز ذاته القبلية الي رحاب الانسانية الاوسع و مات اميناً علي مبادئه. فهلا خلعنا جلباب القبيلة الضيق ووضعنا بدله جلباب الجنوب الواسع ؟
ساعود..
Newer articles:
- إحتمالات الإنفصال ومقومات الدولة القادمة - 10/08/2010 12:40
- وحدة السودان وتقرير مصير جنوبه في الميزان - 10/08/2010 08:33
- رد على ما قيل عن الاستفتاء - 10/08/2010 01:00
- حكومة ولاية أعالي النيل تتبرع بمائة الف جنيه لمراسم دفن سامسون كواجي !! - 05/08/2010 18:30
- تعقيب علي ورقة الاخ رمضان محمد عبد الله بعنوان مشاركة الجنوبيين في الاستفتاء في الشمال السودان - 02/08/2010 01:00
Older news items
- سلفاكير: سنقيم الاستفتاء حتى ولو لم يتم ترسيم الحدود - 31/07/2010 08:32
- خواطر محزونة حول ما يجري في مملكة شلو - 30/07/2010 01:00
- الوحده... الامل الضائع.... الانفصال القادم... من الملام؟ - 29/07/2010 01:00
- أبناء شلو بالخارج والعمل المقدر - 29/07/2010 01:00
- دور قيادات شلو الدينية فى معالجة الازمة الراهنة - 28/07/2010 01:00
Latest news items (all categories):
- South Sudan sets 22 December for country's long-delayed first-ever election - 23/06/2026 15:44
- Ambassador Enarsson Backs Campaign to End Sexual Violence in Conflict at Juba Advocacy Event - 23/06/2026 15:41
- Rampant Junior Starlets crush South Sudan to clinch CECAFA bronze - 23/06/2026 15:26
- Validating Progress Towards Closing Immunity Gaps in South Sudan - 23/06/2026 15:23
- تحديد موعد أول انتخابات في تاريخ جنوب السودان - 23/06/2026 15:14
Random articles (all categories):
- US sanctions on Sudan under the spotlight - 02/12/2015 06:02
- April 30 Photo Brief: Sudan conflict, drug addiction, pole-dancing at 60 - Baltimore Sun - 30/04/2012 20:29
- Sudan 'seeks peace with South' - SBS - 03/05/2012 00:58
- South Sudan News: Environmental, Social Management Framework Released - 29/08/2013 00:24
- Accountability to Affected Populations (AAP) Working Group South Sudan Meeting Minutes - 26 February 2026 - 11/03/2026 14:09
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 98072 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 64035 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52190 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49397 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46145 times