
د. إبراهيم شقلاوي
يمثل نهر النيل بالنسبة لبلادنا مورداً استراتيجياً تتداخل فيه اعتبارات الأمن المائي ومصالح التنمية والعلاقات الإقليمية. ومن هنا تكتسب عودة مشروع سد فولا في جنوب السودان أهمية خاصة، لاسيما أن المشروع يقع على مجرى النيل الأبيض، ويرتبط بدراسات سابقة سبقت انفصال الجنوب، ما يقتضي النظر إليه في ضوء المصالح المائية والتنموية المشتركة.
الأسبوع الماضي، أعلن وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان أغوك ماكور استعداد بلاده للمضي في مشروع فولا، مؤكداً أن تطوير الموارد المائية حق لبلاده. وجاء الإعلان في سياق تحركات عملية سبقتْه، من بينها زيارة بعثة من الاتحاد الأوروبي ووزارة الطاقة والسدود إلى موقعي فولا الكبرى ومساقط فولا قرب نمولي، خلال مارس وأبريل من هذا العام، بما يشير إلى انتقال المشروع من دائرة الدراسات إلى مرحلة التحرك العملي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى أن القدرة التشغيلية المقدرة لسد فولا تبلغ نحو 1080 ميغاواط، ضمن سلسلة من المشروعات الكهرومائية المقترحة على بحر الجبل، تشمل شكولي ولاكي وبدن وجوبا. وهو ما يجعل القضية، في بعدها المستقبلي، لا تتعلق بسد منفرد، وإنما منظومة من المشروعات الكهرومائية المتتابعة على مجرى مائي واحد.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف أن مشروع استثمار مياه بحر الجبل لم يكن فكرة ولدت بعد استقلال جنوب السودان. ففي أغسطس 2008،وقبل الانفصال بثلاث سنوات، وقعت الحكومة السودانية في جوبا، عبر وحدة تنفيذ السدود، عقود دراسات الجدوى والتصميم لعدد من مشروعات السدود في جنوب السودان ، في إطار رؤية تطوير الموارد المائية باعتبارها فرصة للتنمية وتوفير الكهرباء، ودعم الزراعة والاستقرار الاجتماعي. وقد شهد مراسم التوقيع الرئيس عمر البشير والنائب الأول آنذاك سلفا كير ميارديت، ووقّع العقود المدير التنفيذي للوحدة الوزير أسامة عبد الله .
هذه الحقيقة، مفتاح مهم لفهم الموقف السوداني اليوم. فما كان قبل الانفصال مشروعًا تنمويًا داخل دولة واحدة، أصبح بعده مشروعًا في دولة مستقلة، بينما ظل النيل موردًا عابرًا للحدود. لذلك لا يمكن النظر إلى السدود في الجنوب باعتبارها تهديدًا في ذاتها، وإنما أصبحت آثارها المحتملة شأنًا من شؤون الدبلوماسية المائية وإدارة المصالح المشتركة بين الخرطوم وجوبا.
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون موقف الحكومة السودانية واضحاً، السودان لا يعترض على حق جنوب السودان في التنمية أو في استثمار إمكاناته الكهرومائية، لكنه لا يستطيع أيضاً أن يقبل بإدارة مشروع يقع أعلى مجراه المائي من دون معرفة تفاصيله وآثاره وقواعد تشغيله. فالمشكلة ليست في وجود سد، وإنما في تصميمه وحجم تخزينه ،وطريقة التشغيل، وما إذا كانت هناك استخدامات مائية أخرى مرتبطة به.
رغم الإعلان عن أن السد مخصص لتوليد الكهرباء وليس للتخزين أو الزراعة، فإن ذلك لا يلغي الحاجة إلى التوافقات الفنية والمائية، خاصة مع احتمال تغير بعض التصميمات أثناء التنفيذ، كما حدث في تجربة سد النهضة. فطريقة تشغيل السد وحجم التخزين وطبيعة إدارة المياه هي التي تحدد أثره الحقيقي على بلادنا . لذلك، لا ينبغي إصدار حكم مسبق على المشروع، ولا انتظار اكتماله، بل يتعين على السودان ، دراسة تفاصيله الفنية مبكرًا وتحديد مصالحها المائية بوضوح.
ومن هنا فإن الأمن المائي السوداني لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم المياه التي تصل إلى الحدود، وإنما أيضاً بانتظام التدفقات، وتبادل البيانات، ومعرفة قواعد التشغيل، والتنبؤ بالتغيرات، وحماية البيئة، وربط كل ذلك بالتخطيط الزراعي . فالماء الذي يصل إلى السودان يبدأ جزء من قصته خارج حدوده، ولذلك فإن حماية الأمن المائي تبدأ قبل الحدود وليس عندها.
واللافت أن الموقف المصري المعلن لا يقوم على رفض مشروع فولا من حيث المبدأ. فقد قالت القاهرة إنها راجعت الدراسات الخاصة بالمشروع ضمن آليات مبادرة حوض النيل، واعتبرت تأثيره محدوداً وقابلاً للإدارة، مؤكدة أن مشروعات دول الحوض يمكن أن تحقق التنمية إذا سبقتها الدراسات والتشاور وتبادل المعلومات. وهذا يضع الحكومة السودانية امام مسؤلياتها ، أين موقف الخرطوم من السد الأقرب اليها جغرافياً ، والذي كانت مؤسساتها، جزءاً من تاريخ دراسته قبل الانفصال؟
إن الصمت السوداني في هذه المرحلة ليس خياراً استراتيجياً. المطلوب من الحكومة السودانية إعلان موقف رسمي واضح يستند إلى تاريخ الدراسات السودانية للمشروع وإلى المصالح المائية الحالية للدولة.
وهذا الموقف لا ينبغي أن يكون رفضاً سياسياً لمشروع تنموي في جنوب السودان، ولا موافقة مفتوحة عليه، وإنما إعلاناً عن استعداد السودان للتعاون، مقروناً بمطلب واضح بالحصول على الدراسات الفنية الكاملة، ومراجعة آثار المشروع، وتبادل البيانات الهيدرولوجية، والتنسيق بشأن الملء والتشغيل، وضمان عدم إحداث ضرر ذي شأن بالمصالح السودانية.
سد فولا بحسب وجه الحقيقة، ليس مجرد مشروع لتوليد الكهرباء في جنوب السودان، بل اختبار لقدرة الخرطوم على إدارة أمنها المائي بعقل استباقي. فالمطلوب ليس رفض المشروع ولا قبوله بصمت ، وإنما معرفة تفاصيله، وتقييم أثره، والمشاركة في دراساته، والتنسيق المبكر مع جوبا.
وبخبرتها التاريخية في إدارة المياه والسدود، تملك الخرطوم فرصة لتحويل فولا من مصدر محتمل للقلق إلى مدخل لشراكة مائية وتنموية جديدة. فأمن السودان المائي لا يُحمى بردود الأفعال، وإنما بالحضور منذ لحظة التخطيط ، وبناء القرار على المعرفة والمصلحة المشتركة.
دمتم بخير وعافية
الثلاثاء 6 أكتوبر 2026م.
Newer articles:
- إجماع دولي يؤكد «استحالة الحل العسكري» لحرب السودان - 23/10/2026 13:05
- قناة جونقلي لماذا توقفت؟ - 19/10/2026 13:57
- اليونان: اعتقال مراهق من جنوب السودان يبلغ 13 عامًا بشبهة تهريب المهاجرين - 19/10/2026 13:50
- مفوضية اللاجئين: 324 ألف شخص وصلوا إلى السودان من جنوب السودان خلال 18 شهرًا - 16/10/2026 13:06
- بيراميدز ضيفا ثقيلا على المريخ بنتيو في دوري أبطال إفريقيا - 16/10/2026 12:59
Older news items
- بيراميدز المصري يحدد موعد سفره لجنوب السودان - 09/10/2026 11:54
- انفصال جنوب السودان ودروس لم تتعلمها النخب السودانية - 02/10/2026 13:06
- "هيومن رايتس ووتش": الإمارات تحتجز كاتبا من جنوب السودان منذ عام دون تهمة - 02/10/2026 12:51
- "أصابعي احترقت".. تصريحات صادمة من إمام عاشور بعد مباراة جنوب السودان - 30/09/2026 15:07
- صفيح ساخن.. 4 كوارث تنتظر حسام حسن في أدغال جنوب السودان - 28/09/2026 12:07
Latest news items (all categories):
- Research ● Olga Algayerova: Small-State Diplomacy in an Era of Geopolitical Fragmentation - 28/10/2026 17:44
- The long journey back to the wild: The return of Przewalski’s horses - 28/10/2026 17:38
- South Sudan to begin voter registration in November ahead of December elections - 28/10/2026 17:12
- South Sudanese Liberation Hero Joseph Lagu Dies at 94 as President Kiir Declares National Mourning - 28/10/2026 17:03
- National average price spreads for maize: Across select East African countries - 28/10/2026 16:56
See also (all categories):
Random articles (all categories):
- Sudan slips into crisis with critical shortages as conflict enters third month - 15/06/2023 02:17
- Seychelles declares an emergency after deadly flooding and a huge blast at an explosives depot - 08/12/2023 00:30
- South Sudan marks SPLA Day - 16/05/2016 14:12
- South Sudan Struggles to Collect Taxes After Years of War - 30/05/2016 15:38
- South Sudan: Dim Outlook for Peace in South Sudan - 04/05/2014 09:42
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 98966 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 64664 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52799 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49999 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46658 times