logo

الرئيس سلفاكير يلقي خطاب انفصال جنوب السودان بحضور قادة وزعماء العالم (رئاسة جمهورية جنوب السودان)

الرئيس سلفاكير يلقي خطاب انفصال جنوب السودان بحضور قادة وزعماء العالم (رئاسة جمهورية جنوب السودان)

السودان الذي خسر الجنوب ولم يتعلم الدرس

عندما أقول إن السودان خسر الجنوب ولم يتعلم الدرس، فأنا لا أقصد الشعب السوداني. الشعب دفع ثمن الحروب، وفقد أبناءه، وتشردت أسر، وعاش سنوات طويلة من الألم. أنا أتحدث عن السياسيين والقوى الحزبية التي أدارت هذا البلد، ثم لم تتوقف بعد انفصال الجنوب لتسأل بصدق: أين أخطأنا؟ وماذا كان يجب أن نتعلم؟

أقول ذلك من موقع من عايش جزءا من هذه السنوات، والتقى عددا من السياسيين والشخصيات من جنوب السودان، واستمع إليهم. ولذلك ظل سؤال الجنوب بالنسبة لي أكبر من مجرد سؤال عن الانفصال: لماذا وصلنا إلى هذه النتيجة؟ وهل حاولنا فعلا فهم الأسباب التي أوصلتنا إليها؟

القوى السياسية السودانية نفسها كثيرا ما تعاملت مع المؤسسة العسكرية وفق مصلحتها السياسية: تستعين بها عندما تحتاج إليها، ثم تطالب بإبعادها عندما تتغير موازين القوى

منذ الاستقلال، ظل السودان ينتقل من حرب إلى حرب، ومن انقلاب إلى انقلاب، ومن اتفاق سلام إلى آخر. انتهت الحرب الطويلة في الجنوب باتفاق السلام الشامل عام 2005، ثم انتهى الأمر باستقلال جنوب السودان عام 2011. كان ذلك زلزالا سياسيا وتاريخيا كان يُفترَض أن يدفع النخبة السياسية السودانية إلى مراجعة عميقة. لكنني -بصراحة- لا أرى أن هذه المراجعة حدثت بالقدر الذي يستحقه ذلك الحدث.

بعد سقوط نظام البشير، دخلت القوى السياسية مرة أخرى في صراعات الإقصاء والمحاصصة والبحث عن السلطة، وكأن تجربة السنوات السابقة لم تكن كافية. ثلاثون عاما من الحكم كانت تحتاج إلى مراجعة حقيقية: ماذا حدث؟ أين أخطأنا؟ لماذا فشلنا؟ وكيف نمنع تكرار الأخطاء نفسها؟ بدلا من ذلك، أصبح جزء كبير من النقاش السياسي يدور حول سؤال: من نقصي؟ ومن نسمح له بالمشاركة؟

أنا مع محاسبة كل من ارتكب جريمة، أيا كان موقعه أو انتماؤه. لكن المحاسبة بالقانون شيء، وتحويل الخلاف السياسي إلى إقصاء جماعي شيء آخر. وما يقلقني أكثر أن هذه العقلية ليست جديدة.

القوى السياسية السودانية نفسها كثيرا ما تعاملت مع المؤسسة العسكرية وفق مصلحتها السياسية: تستعين بها عندما تحتاج إليها، ثم تطالب بإبعادها عندما تتغير موازين القوى. واللافت اليوم أن سنوات الحرب والثورة تركت فجوة متزايدة بين المواطن والقوى السياسية.

وكلما تراجعت ثقة الناس في السياسيين، زاد اعتمادهم على المؤسسة العسكرية باعتبارها الطرف الأكثر حضورا في المشهد. وهذه رسالة لا ينبغي للأحزاب أن تتجاهلها: قبل أن تسأل لماذا ابتعد المواطن عن السياسي، عليها أن تسأل ماذا فعل السياسي حتى فقد المواطن ثقته فيه.

لقد خسر السودان الجنوب، لكن الخسارة الأكبر ستكون أن نخسر حاضرنا ومستقبلنا، ثم نكتشف أننا لم نتعلم شيئا

والأكثر إيلاما أن الحرب الحالية كشفت حجم ما أهدرناه. جامعات تعطلت، وطلاب تفرقوا، ومؤسسات الدولة تضررت، وأصبح طلاب سودانيون يواصلون تعليمهم في رواندا، بينما كان من المفترض أن تكون الجامعات السودانية هي التي تحتضنهم. هذه ليست مشكلة حرب فقط؛ إنها نتيجة تراكم سياسي طويل.

ولهذا، عندما تنتهي هذه الحرب، لا أريد أن يكون سؤالنا الوحيد: من انتصر ومن خسر؟ أريد أن نسأل سؤالا أصعب: لماذا وصلنا إلى هنا أصلا؟

إذا لم نمتلك الشجاعة للإجابة عن هذا السؤال، وإذا لم نراجع تاريخنا بأخطائه قبل أن نكتب أمجاده، فسوف نخرج من الحرب بجراح جديدة، لكن بعقلية قديمة.

لقد خسر السودان الجنوب، لكن الخسارة الأكبر ستكون أن نخسر حاضرنا ومستقبلنا، ثم نكتشف أننا لم نتعلم شيئا.

المصدر