فى رحاب الشلك
من سيوول إلى فيينا
عندما ودعت الجالية السودانية بالنمسا الدبلوماسى القنصل و الرجل الشهم ابن دنقلا البار كمال بشير بإحتفال كبير و علنى على ضفاف الدانوب قبل أربعة أعوام،لم يكن يدر بخلدى أننى سوف أقابله مرة أخرى فى العاصمة الكورية سيوول حيث حضرت مؤتمراً تناول قضايا التنمية و السلام. و لكن فى عالم اليوم أصبح السفر بالبيوت و الكلام بالخيوط سمة من سمات عصرنا، فلا عجب و لاصيام فى رجب. و الحى بلاقى،كلمة صارت من مصطلحات المغتربين، رددناها مراراً فى بيت الأخ كمال و هو يرحب بمجموعة السودانيين-حيدوب و ساتى و عبد الرحمن و سيف الإسلام ثم فؤاد و خالد و جيمس دا كارلو.
و الأخير له صلة قرابة بالسياسى المخضرم الراحل المقيم لويجى أدوك. وهذا يعنى أنه من قبيلة الشلك العظيمة و المجاورة لنا فى بحر ابيض، و بالتالى قريب الوزير السابق جوزيف بول شان الشلكاوى الضكر و قد تزاملنا فترة ستة سنوات دراسية فى بودابست فى سبعينات القرن الماضى.كان يوسف شان(كما ندعوه أحياناً) و زوجه روث من أميز العوائل السودانية التى عرفتها فى الغربة،و قد ساهموا فى بناء الوحدة الإجتماعية السودانية فى المهجر مساهمة لا ينكرها إلا جاحد.كانا مفخرة للشلك و للسودان.سردت للأخ الأصغر جيمس و للحاضرين جزءاً من ذكرياتنا مع الأخ الأكبر جوزيف شان. و فى نفس اليوم تحصلت من الأنترنت على مقال كتبه أخونا الكبير شوقى بدرى(ود حبوبه) عن الوزير لام أكول و قبيلة الشلك.قمت بطباعة المقال لثلاثة أسباب.أولها أنه صادف هوىً فى نفسى، و ثانياً لكى أقرأه ثم أجتره خلال رحلة العودة الجوية الطويلة من سيوول الى فيينا، مروراً من فوق بكين و سهول سيبيريا و موسكو و مالمو السويدية و فرانكفورت ثم فيينا.و فى مالمو يقيم الأستاذ شوقى بدرى،اللى ربنا ما جاب يوم شكره.فلولا مقاله عن الشلك و لام أكول لما فكرت الان- و أنا بين السماء و الأرض-فى تسطير شىء عن الشلك و رجال من الشلك عرفناهم و عايشناهم و أكلنا معهم الكسرة و الملاح .و ثالثاً و أخيراً طبعت المقال حتى يستفيد بقرائته من يرغب من رواد بيت السودان فى فيينا، فقد درجت على طبع مقالات-بونا ملوال و عبد الله خاطر- و منصور خالد و عبد الله على ابراهيم- و سارة عيسى و الشوش- و شوقى بدرى و خالد المبارك- و أبو أمنه و شريكان- و اخرين.
تعودت أن أقرأ فى الطائرة، لكن أن أكتب جواً فهذا ما لا عهد لى به، و أغلب ظنى أن كتاب الجو هم من زبائن الدرجة الأولى،أما أمثالى من مرتادى الدرجة الرابعة فلا راحة لنا فى المقعد و مد الأرجل و لكن رغم ذلك كله فقد شعرت بسعادة و متعة بلا حدود و أنا أكتب عن رجال من الشلك.
منزل الأخ جوزيف فى بودابست(73-1979) كنا نسميه بيت المك و كان مفتوحاً للجميع.و عندما أوصدت فى وجوهنا الأبواب لكيلا ينعقد الإجتماع العام لرابطتنا المستقلة فى المجر فتح لنا جوزيف أبوابه فدخلنا بيته أربعين(لا صلة لنا بعلى بابا) و اجتمع رأينا على أن نولى أمرنا جوزيف ليكون رئيساً لرابطة الطلاب السودانيين فى المجر، لكن جوزيف اعتذر عن قبول ذلك الترشيح باسلوب ذكى و أدب جم و قال قولته الحكيمة الشهيرة((حتى لا يقول بعض السودانيين أننى فتحت بيتى لأكون رئيساً للسودانيين)). و. فى بيت جوزيف تقابلت و خيرة أبناء الشلك.فهنالك قابلت الدبلوماسى المرحوم صمويل،الذى جاء من موسكو و لأول مرة شاهدت كاميرا الفيديو و هو يديرها. كان صمويل من أطيب السودانيين و رجل نصيحة، و ما أحوجنا الى النصح فى ذلك الزمان.توفى صمويل بسبب حادث حركة تعرض له شتاءً فى احدى شوارع موسكو.كان فقداً للسودان قبل أن يكون فقداًً للجنوب و قبيلة الشلك.و هنالك فى بيت المك(يوسف) رأيت الأستاذ لام أكول للمرة الأولى عندما حضر زائراً من بريطانيا حيث كان وقتها طالب دراسات عليا. وفيما علمت أن جامعة الخرطوم قد اختارته أستاذاً معيداً فى منافسة حادة مع أحد أبناء الخرطوم، وعلى أثرها أصدر لام أكول بياناً يشهد فيه لكلية الهندسة بالشفافية و عدم التمييز بين الطلاب على أساس القبيلة و الجهة أو الدين و السياسة.و منذ ذلك الوقت انطبعت صورته عندى بالعقلانية و (الحقانية).و يا للأسف و يا لجهلنا و يا لقصر نظرنا فى أن يكون طريق لام أكول للخارجية عبر اتفاقية نيفاشا،و بمراقبة أيقادية أوروبية أمريكية.
فى العام 1998، أثناء انعقاد الإجتماع العام للمؤتمر الوطنى كنت أتحدث مع السفير الراحل المقيم أحمد عبد الحليم(مقرر المؤتمر) وعلى بعد خطوات منا جلس رياك مشار محروساً.وقتها جاء الأستاذان مشار و أكول الى السودان مسالمين بعد أن تعاهدوا مع الحكومة على سلام من الداخل(بدون خواجات). قلت للسفير العم أحمد و الذى أعرفه منذ أن كان سفيراً فى فيينا:هل يقبل الترابى ...و يمنح ايثاراً احدى الوزارات السيادية لأحد الأستاذين الجليلين!!!
ابتسم العم أحمد، و كانت وراء ابتسامته كلام-كتير كتير-تفككت أسراره فى العام التالى،فيما عرف بقرارات رمضان.منح لام أكول وزارة النقل، أما رفيقه مشار فقد منح فى ذلك الإجتماع العام للمؤتمر الوطنى شرف ترشيح الشيخ الترابى أميناً عاماً للمؤتمر الوطنى خلفاً لغازى صلاح الدين الذى أتوا به من قبل للحيلولة دون وصول الشفيع الدارفورى لذلك المنصب بحجة مناهضة الجهويات.فاز الدكتور الترابى بالأمانة العامة و بعد قليل رجع مشار الى جون قرنق.عملية ترشيح مشار للترابى كانت مسرحية شاهدتها حية(لايف) و بجانبى جوزيف و قد شبهتها بحكاية أهلنا التجار الذين يشترون الدجاج ثم يلونون ريشه و يبيعونه لأهلنا فى الجنوب.أصبت بإحباط حاول جوزيف أن يبعده عنى بسرد العلائق المتينة التى تربطهم كشلك ببقية أجزاء السودان خاصة مانعيشه واقعاً على إمتداد النيل الأبيض من ماكال و مروراً بالرنك و القيقر و خور أجول و ربك و الشوال و الفشاشوية.
تذكرت (غلوطية): شلك إشكلوا....كما شكل.. شكل الشلك شكل. كنا نتبارى فى تكرارها و ترديدها بسرعة عند نهاية الدرس و نحن مغادرين لحرم المدرسة الأولية فى قرية ربك و التى أصبحت بمرور الأيام مدينة ثم عاصمة ولاية(و هذه من فضائل الإنقاذ بجانب البترول و الموبايل و إتفاق السلام ان أبقى السودان موحداً).و كنا قبل أن نصل الى بيوتنا نمر بالمحكمة و بيت العمدة عبد الله العسيلى. و كم شاهدنا عنده من جلسات صلح يجتمع فيها أعيان الشلك و العرب.كان العمدتان العسيلى و النصيبة يتقاسمان ضيافة الوفدين لمفاوضات الصلح.لم يكن مسموحاً لنا نحن الصغار بحضور تلك الجلسات التأريخية. لكن ابن العمدة وقتها و العمدة الان العسيلى كان ينقل لنا صوراً من تلك المناقشات و ذلك بحكم أنه ابن العمدة و يشرف على خدمة الوفود من ناحية الأكل و الشرب و ملء الأباريق بالماء.و مما كان ينقله لنا العسيلى بأمانة و براءة الأطفال، أن وفد الشلك أكثر تنظيماً من وفد العرب و يتكلمون واحداً وراء الأخر،بإشارة من زعيمهم، و لا يرفعون أصواتهم الا بالقدر المطلوب، و أصاب الأستاذ شوقى بدرى عين الحقيقة عندما وصف الشلك :-( بأن لهم اسلوب جميل فى الحوار و النقاش و عدم مقاطعة الأخرين و تقبل الرأى الأخر و تقبل حكم الرث أو العمد و الشيوخ بدون تشنجات أو صراخ أو زعيق و عدم الخروج من قواعد اللباقة و الأدب).أما فى جانب البدو فتجد العكس تماماً.ولكن رغم الضجيج و الزعيق تجد أن حكمة العمدتين الفاضلين عبد الله العسيلى و النصيبة هى الغالبة الحاسمة.ما سمعنا بمشكلة استعصت عليهما، لأنهما الأكثر دراية بعادات و طباع أهلنا فى الجنوب كشوقى بدرى و أبيه من قبل.و أذكر فى الأنام موسى المك كور الذى نشأ وترعرع فى كنف عمدة قبيلة سليم العربية.و ممثل الحركة الشعبية فى ألمانيا كوستيلو قرنق نشأ و تربى فى بيت مادبو زعيم الرزيقات، فضلاً عن أبناء دينج ماجوك و أبيهم السلطان و صلتهم الوثيقة ببابو نمر ناظر عموم المسيرية.و من رجالات بحر أبيض الذين رسخوا لمبادىء التعايش السلمى مع الشلك، التاجر الدنقلاوى حسن عمر والد كل من ابراهيم و أبو عبيده و أمين و صهر مك الشلك،و المتوفى فى العام 1964، فقد بكاه الشلك بكاءً صار مضرب مثل الى يوم الناس هذا.لقد كانوا جلابة من نوع أخر.و هؤلاء جميعاً لو كنا ارتضينا بهم و اعترفنا بأفضالهم و سلمناهم زمام أمرنا فى التعامل مع قضية الجنوب،لما فشلوا و لما نكسوا بالعهود،و لكانوا قد جنبونا ذلك الكم الهائل من الهلاك و الدمار الذى أصاب النسل و الحرث و الضرع و سمح القول.
أما قصة إبنة عمتى الرحمة بنت حسن مع الشلك فتحتاج الى كتاب و نشر.أختصرها فى الأتى:-
كانت الرحمة و زوجها محمد أحمد الضى و أطفالهما يسكنون منطقة ود دكونه الشلكاوية فى فترة الستينات و السبعينات من القرن الماضى.و هنالك كفلوا أحد أطفال الشلك النبهاء و يدعى أبان.و أدخلوه المدرسة مع طفلهم حسن.فى العام 1985م و عند زيارتى الى السودان قمت بزيارة أبان فى المركز الإسلامى الأفريقى-جامعة أفريقيا لاحقاً- و هنالك عرفنى بمجموعة من الطلبة الجنوبيين و الأفارقة.أذكر أن الطلاب الشلك قد رحبوا بى أيما ترحيب، خاصة عندما علموا عن صلتى بأبان و منطقة بحر أبيض.دعونى الى طعام ما زال مذاقه فى الفم و البال رغم مرور الأيام، فوافقت مسروراً.كانت ثقافتهم عالية و فهمهم عميقاً و لغتهم العربية طلقة.
عندما جاءت حكومة الأنقاذ تذكرت أولئك الفتية من خريجى جامعة أفريقيا و كنت متطلعاً لأن يمارس الإسلاميون(وكان الترابى الكل فى الكل) فضيلة الإيثار،فنسمع مثلاً عن رئيس الدولة القادم من جبال النوبة، و رئيس الوزراء من نوبة الشمال و الداخلية للهمج و الدفاع للجنوب و الخارجية للبجا و المالية لدارفور و البترول لكردفان.نعم أعترف، أننى كنت أحلم كثيراً لكننى، ما كذبت حينما رأيت أشجاراً تتحرك!! و الأن أقول و أسمعونى: انى أرى غابات تتحرك!!! فهل نحن متحركون و مدركون؟
أبان و حسن محمد أحمد إبنا الرحمة أكملا تعليمهما الجامعى و كانت الرحمة أشد حرصاً على أبان من بقية أبنائها.و لكن ماذا ينفع الحرص مع القدر.ففى يوم من أيام الخرطوم الثائرة قبضوا على أبان و أخيه حسن و أرسلوهما فى رحلة جهادية الى الجنوب..... لم يعودا منها حتى يومنا هذا.الهم أرحم أبان و حسناً و أغفر لهما وألهم أمهما الرحمة جميل الصبر و السلوى.و أبنى لها بيتاً فى الجنة.أمين!!!
عبد الله شريف جامع- فيينا
Newer articles:
- سلفاكير: نملك وثائق تؤكد وقوف جهات وراء المسيرية - 16/01/2008 08:37
- اشتباكات أبيي توقع 20 قتيلا والخرطوم تحاول احتواءها - 05/01/2008 13:16
- سلفاكير يقيل تيلار واليو من مؤسسات الحركة الشعبية - 04/12/2007 08:57
- د.لام أكول والسياسة الخارجية رداً علي المقال الأخ شوقي بدري بعنوان د.لام أكول وزير مميز - 08/09/2007 19:17
- Correction - 05/09/2007 17:21
Latest news items (all categories):
- The power struggles among South Sudan’s political leaders are the direct cause of its ongoing conflict - 11/07/2026 14:03
- Celebrating Independence In The Midst Of Sorrow - 11/07/2026 13:41
- South Sudan resumes oil-backed financing - 11/07/2026 13:33
- Press statement: Strive For National Unity In Honor Of South Sudan's Independence - 10/07/2026 21:23
- Fifteen years of independence for South Sudan, but still little to celebrate - 10/07/2026 21:23
Random articles (all categories):
- Violence in Abyei underscores concerns about security - 09/05/2013 03:14
- UNICEF South Sudan - Multiple Positions (24/10/2024) - 24/10/2024 10:55
- S. Sudan VP rules out standing aside for rebel leader Machar - 03/09/2014 14:06
- American expelled from South Sudan for anti-corruption work - MiamiHerald.com - 21/08/2012 01:16
- Sudan: Civil War Stalemate - 17/06/2014 11:04
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 98345 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 64195 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52351 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49558 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46278 times