logo

كيف يمكن إقناع الجنوبيين على التصويت للوحدة؟:-

هل كانت حكومة الوحدة الوطنية قادرة على جعل الوحدة جاذبة للجنوبيين؟

هذا السؤال وأكثر منها يدور في ذهن المواطن السوداني في هذه الأيام المتبقية من عمر حكومة الوحدة الوطنية بعد الإنتخابات العامة التي جرت فى السودان ونحن علي موعد جديد من مراحل الإتفاقية، وكذلك بعد تزايد مخاوف الشماليين من خطورة إنفصال الجنوب على السودان كله.

حيث يرى كل من في داخل السودان وخارجه بأنه إذا قرر الجنوبيون الإنفصال سوف يؤدي ذلك الى تفكك السودان الى دويلات في الغرب والشرق أيضاً لان فرص الوحدة الطوعية نادرة ومعدومة فبالتالى الإنفصال أصبح أمراً واقع الحدوث.

الحكومة أعترفت أيضاً بالأمر لانها لم تستطع جعل الوحدة جاذبة للجنوبيين ، فالحديث هذه الأيام أصبح يدور حول وضع إستراتيجية جديدة لدولة الشمال بعد إنفصال الجنوب ووضعية العلاقة بين الدولتين من الناحية السياسية والإقتصادية والتجارية والأمنية.

المعروف ان الوحدة لم تكن جاذبة للجنوبيين في خلال الخمس سنوات الماضية من عمر فترة الإنتقالية لإتفاقية السلام الشامل، والأمر كان واضحاً في التوتر الشديد الذي شهدته حكومة الوحدة الوطنية المتمثل فى الخلافات الدائمة بين شريكي الإتفاقية (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان)، وكذلك الخلافات بين الحزبين من جهة وأحزاب المعارضة من جهة أخرى، إمتدت هذه الخلافات حتى قيام الإنتخابات العامة التي جرت مؤخراً أدى الى عدم إستقرار سياسي في البلد والخلافات ما زالت مستمرة حتى الآن. ولكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل الحكومة المنتخبة قادرة وتستطيع أن تجعل الوحدة جاذبة للجنوبيين في خلال هذه الفترة المتبقية من الإتفاقية؟ هذا السؤال تجاوب عليه الحكومتان القادمتان في الجنوب والمركز.

· ما هي نوعية الوحدة الجاذبة للجنوبيين؟

أعتقد أن مشكلة الجنوب مع الشمال هي مشكلة معروفة وكبيرة ومعقدة في نفس الوقت بالنسبة للشماليين وهي مشكلة السلطة والثروة ومشكلة الهوية السودانية وبدأت منذ قبل الإستقلال بفترة قصيرة وظهرت بصورة كبيرة عند التمرد الأول (أنيانيا). بعدها وقعت إتفاقيات بين الجنوبيين والحكومة (إتفاقية أديس 1972-1983) ولكنها باءت بالفشل بعدما ساد سلام واستقرار نسبي في الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي، لان الجنوب إستمر في الخضوع التام واعتماد على الهوية العربية الاسلامية المتسلطة في الشمال. وقد ادى ذلك في النهاية الى خرق الإتفاقية من جانب الحكومة المركزية عندما فرض الرئيس نميري الشريعة الإسلامية على كل البلاد في سبتمبر 1983 ، حتى إندلعت الحرب مرة أخرى في نفس العام .

كانت الرؤية التي جاءت بها قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان في هذه المرة رؤية دقيقة جدا، حيث كان يرى قائدها الدكتورجون قرنق بان يمكن بقاء السودان موحداً على أسس جديدة (السودان الجديد) وهذه الأسس هي خلق هوية سودانية وطنية بدلاً عن تسلط الدين والعروبة على المجموعات العرقية الموجودة في السودان وإحترام حقوقهم ليعيش الجميع في دولة واحد متساويين. هذه الرؤية هي التى كان المواطن السوداني يرى بانها الحل الأنسب لبقاء سودان موحد.

ففكرة جعل السودان دولة عربية وإسلامية جاءت منذ الإستقلال تتفشى نظرة التعامل الشمالي والتمييز العنصري ضد الجنوبي وفي نفس الوقت الشماليون يمتلكون القوة والسلطة لتأكيد هيمنتهم السياسية وتفوقهم المادي. و الجنوبيون ينظرون لهم باحتقار و ازدراء عميق، هذا الاحتقار المتبادل ، والانقسام الاقليمي الجغرافي يجعلان من الصعب التعامل والتعايش السلمي بين المواطنيين . وفي مثل هذه الاوضاع فان الحفاظ على توحيد البلاد أمر في غاية الصعوبة. لقد عانى الجنوبيون في منذ الإستقلال في ظل الحكومات التي حكمت السودان على ايادي الشماليين صنوفا من الاذلال و الاهانات الشنيعة المدفوعة بنزعات عنصرية ، وتعصب ديني. و في الأيام الأخيرة أي بعد فشل إتفاقية أديس أباب بدأ الشماليون يعترفون بظلم اهل الجنوب، وخاصة عندما إنفجرت ثورة عام 1983م، ولكن حتى الان ما زالت درجات الوعي والاستعداد لتصحيح اخطاء الماضي غير كافية بصورة كبيرة، بل إزداد الوضع عكرة عندما جاءت الحركة الإسلامية في مقاليد السلطة في السودان حيث كان في أجندتهم السياسية والإسلامية جعل السودان دولة إسلامية عربية ليكون جمهورية السودان العربية الإسلامية بدلاً من جمهورية السودان الحالي، هذا كان واضحاً جدا في أسلوب العمل السياسي وممارساتهم الدينية التى كانت سائدة في السودان ويمكنني تلخيص هذه الأساليب والممارسات الدينية في النقاط التالية:-

1. تطبيق الشريعة الإسلامية وإنضمام السودان لجامعة الدول العربية بإنها دولة عربية وإسلامية.

2. تغيير المناهج التعليمية في مراحل الأساس والثانوي وإدخال آيات قرأنية في القصائد والمطالعة حتى الرياضيات مما يؤكد تسلط الدين على التعليم العام وعدم إحترام حقوق غير المسلمين.

3. إدخال مادة تسمى بالثقافة العربية بالجامعات السودانية.

4. الإهتمام بالثقافة العربية الإسلامية في وسائل الإعلام المملوكة للدولة.

5. إدخال قانون يمنع المسيحيين بناء كنائس جديدة في الخرطوم.

6. العمل على إزالة تاريخ السود الأفارقة من تاريخ السودان مثلاً( اللون الأسود في علم السودان كان معروفاً بأنه يرمز للسابقين الأقوياء ولكن تم تغيير المعنى الان وأصبح رمز الرخاء والنماء- أسمعوا تفسير العلم صباح كل يوم في الراديو).

هذه النقاط والكثير منها كانت وما زالت تمثل محاور خلاف الجنوبيين مع الشماليين حتى الآن.

يتطلب حل هذه الأزمة إحترام كرامة الانسان، ويعبر عنها بالاعتراف المتبادل واحترام كل القيم الثقافية للآخر ، واستقلالية الفرد والمساواة في الفرص دون تمييز على اسس عرقية ، اثنية ، لونية ، دينية ، ثقافية او جنسية ويمكن ترجمتها في الحقوق الاساسية المتمثلة في الحريات المدنية والديمقراطية. انني أرى ان الشماليين لا يقبلون بالتنازل عن دولة العروبة ولإسلام للجنوبيين مقابل دولة علمانية مهما كلفهم الأمر.

فبالتالى أرى ان وحدة السودان طوعاً للجنويين مستحيل في ظل عدم احترام كرامة الانسان الأفريقي الموجود فيه.

التطلع نحو تحقيق كرامة الانسان لا يشكل بالطبع حلما يحققه الله، وانما يتطلب التزاما جادا بمفهوم محدد للعدل والمساواة داخل اطار نظام ديمقراطي يتمتع بالشرعية امام كل المواطنين ، تسود فيه مقدرات الاقناع عند ممارسة السلطة الشرعية.

و تاريخ السودان وواقعه السياسي الاقتصادي والاجتماعي الراهن، تكشف عن فوارق واضحة بين الانسان الجنوبي والشمالي حيث لا يوجد تمازج وإنسجام حقيقيين بينهما إذ يرى المسلمون إن إتفاقية السلام الشامل التى وقعتها الحكومة مع الحركة الشعبية هي شيطان على دولة الإسلام باللإشارة الى مطالبتها بدولة متعددة الاعراق والثقافات ودولة غير دينية وإنها أيضا كفلت للجنوبيين حقوق غير مستحقة لهم. فالسودان مهدد بكارثة حروبات حقيقية كما يرى المحللين السياسيين والكتاب لان هنالك قضايا عالقة مثل قضية الحدود وقضية دارفور وغيرهما والتي ربما ستتضخم بعد حدوث إنفصال الجنوب. وأرى ان المؤتمر الوطني هو من يتحمل مسؤولية هذه الكارثة لانه كان لديه فرصة لتحقيق رغبة السودانيين في وحدة السودان منذ تسلم مقاليد السلطة عام 1987م بسبب تسلطه على الحكم وتمسكه بالحركة الإسلامية والتي أصبحت محرك الحزب وسياسات الدولة الآن.

كان بالإمكان جعل الوحدة جاذبة لان هنالك مصالح تاريخية مشتركة بين الشمال والجنوب منذ الإستعمار والجنوبيون لهم حقوق تاريخية فيها لان السودان موطنهم الأصلى وليسوا مثل العرب المهاجرين الذين هاجروا من الجزيرة العربية وإنتشروا في شمال أفريقيا حتى وصلوا الى السودان في تلك الفترة. فتوجد بعض من القبائل الجنوبية التى كانت لها أثر في الشمال مثل قبيلة الشلك حيث كانت فى مرحلة من تاريخ السودان تسيطر سيطرة كاملة على النيل الأبيض حتى تخوم الخرطوم الحالية وغيرها وخاضت معارك ضارية من أجل الحفاظ على إستقلالية مملكة الشلك وإستشهد ثلاثة من ملوك الشلك على أيدى غزاة المملكة: رث كواطكير أكوت ورث أجانق نيضوك على أيدى الأتراك ورث كوجكون كواطكير ورث يور (عمر) أكوش على أيدى المهدية. وتم نفى رث كور (عبدالفضيل) نيضوك الى حلفا القديمة حتى رحيله وتوجد بعض أفراد أسرته في حلفا حتى اليوم.