logo

https://static.srpcdigital.com/styles/1037xauto/public/2022/10/09/75845.jpg

سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان (الشرق الأوسط)

بقلم: فور قاركوث فور

حين يفشل "الجنرال" في إدارة دولة، ويرى عرشه يتآكل تحت وطأة الانهيار، فإنه لا يملك سوى الهروب إلى دهاليز التاريخ ليفبرك معارك وهمية، يمنح بها نفسه أوسمة نزاهة لا توجد إلا في مخيلته النرجسية. خروج رئيس جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، بعد خمسة عشر عاماً ليزعم أن الرئيس السوداني السابق عمر البشير عرض عليه رشوة بقيمة 505 ملايين دولار لعرقلة الاستفتاء، ليس مجرد رواية سياسية متأخرة؛ بل هو أعلى درجات الإفلاس الأخلاقي، وسقوط مدوٍّ لرجل حوّل حلم الاستقلال العظيم إلى كابوس مرعب يعيشه الشعب صباح مساء.

​هذه "البروباغندا" البائسة تضع سلفاكير ميارديت شخصيًا أمام مقصلة المنطق والمساءلة التاريخية، وتكشف بوضوح كيف تحولت الرئاسة في جوبا – بفضله – من أداة لبناء أمة سيادية إلى عيادة نفسية لتبرير الفشل الشخصي والعجز الإداري.

أسئلة فاضحة لصمت مشبوه: لماذا الآن يا سيادة الجنرال؟

إذا كان سلفاكير ميارديت يملك ذرة من الشجاعة السياسية والنزاهة الوطنية التي يدعيها اليوم، فلماذا صمت عن هذه "الرشوة المليونية" المزعومة يوم الحادي عشر من يوليو 2011؟ في ذلك اليوم التاريخي، يوم رُفع علم الدولة الجديدة، وأُطلقت الوعود، وصُوِّبت عيون المجتمع الدولي نحو جوبا، كان كشف هذا العرض سيمثل الضربة القاضية لنظام الخرطوم، والوقود الرمزي الأكبر لشرعيته الشخصية الحاكمة.

لكنه فضّل الصمت المريب. وصمته طوال عقد ونصف لم يكن حكمة أو دبلوماسية، بل كان انتهازية سياسية فجة. وتذكُّره الفجائي لهذه الواقعة الآن، وسط الانهيار الشامل، يؤكد حقيقة واحدة فاضحة: أن الرجل الذي يدعي ترفُّعه عن رفض نصف مليار دولار لإنقاذ الاستفتاء، هو نفسه الرجل الذي أشرف على نهب وضياع مئات المليارات من عوائد النفط والمساعدات الدولية، ليحرم شعبه من أبسط مقومات الحياة الإنسانية.

سلفاكير ميارديت: المهندس الأول والأوحد لخراب جنوب السودان

لم يعد مقبولًا ولا من الفطنة إلقاء اللوم على "النظام"، أو "مخلفات الماضي"، أو "الظروف المحيطة"؛ فسلفاكير ميارديت هو العقبة كأداء، والسبب الرئيسي، والمنبع الأول لفشل الدولة الوليدة وضياع هيبتها. طوال 15 عامًا من حكمه الفردي المطلق، لم يقدم هذا الرجل لشعبه سوى ثلاثة إنجازات كارثية مكتوبة بدم الأبرياء وتحمل توقيعه الشخصي:

مؤسسة الفساد القبلي الانتهازي: حوّل سلفاكير مفاصل الدولة ومواردها إلى إقطاعيات عائلية وحاضنة قبلية ضيقة، مستخدمًا سياسة "فرق تسد" الخبيثة لإشعال الحروب الأهلية بالوكالة وتثبيت كرسيه المهترئ فوق جماجم أبناء الوطن الواحد.

صناعة أكبر مأساة نزوح ولجوء في أفريقيا: في عهده الشخصي، وبسبب جشعه الأعمى للسلطة، تحول نصف سكان جنوب السودان إلى نازحين يقبعون في معسكرات البؤس، أو لاجئين تذرُوهم الرياح في دول الجوار. الدولة التي سكب الشعب دمه لتكون ملاذًا آمنًا لهم، تحولت بفضل قبضته الأمنية الفاشلة إلى مقبرة طاردة لنهضتها وعقولها.

المحو التنموي الشامل وعصر الأمية السياسية: في بلد يسبح فوق بحيرات من النفط الوفير، عجز سلفاكير ميارديت عن رصف طريق بري محترم واحد يربط المدن الرئيسية، أو بناء مستشفى مؤهل يقدم الحد الأدنى من العلاج لمواطنيه (بينما يسافر هو وحاشيته الفاسدة للعلاج في عواصم الخارج)، لتتحول المدارس في عهده العجيب إلى أطلال مهجورة ومقار للميليشيات، تشهد على دمار الوعي والتنمية.

​نكتة "النزاهة" في زمن الموت والجوع

أن يتبجح رئيس برفض نصف مليار دولار في الماضي، بينما يرزح شعبه اليوم تحت خط الفقر المدقع، ويفتقد للأمن والأمان والأمل، هي مفارقة تثير القرف والاشمئزاز السياسي. المواطن في جنوب السودان لا يقتات على الحكايات المفبركة، ولا يستطيع حماية أطفاله من بندقية الميليشيات المنفلتة بروايات البطولات الزائفة لعام 2011.

إن محاولة سلفاكير الرخيصة لتغطية عورات فشله الذريع، وسقوط شرعيته الأخلاقية، وتشريد نصف الشعب عبر استدعاء "مظلوميات ورشاوى الماضي"، هي رقصة مذبوحة غبية على جراح أمة تنزف بلا توقف. لقد أثبت سلفاكير ميارديت بما لا يدع مجالًا للشك، أنه قد يصلح كقائد ميليشيا محلي وسط أحراش الغابة، لكنه فشل فشلًا تاريخيًا وفاضحًا ومخزيًا في أن يكون رجل دولة، وسيذكره التاريخ حتمًا باعتباره المهندس الرئيسي لضياع حلم جنوب السودان وتحويله إلى رماد.