
سلفاكير ميارديت رئيس جنوب السودان (الشرق الأوسط)
بقلم: فور قاركوث فور
حين يفشل "الجنرال" في إدارة دولة، ويرى عرشه يتآكل تحت وطأة الانهيار، فإنه لا يملك سوى الهروب إلى دهاليز التاريخ ليفبرك معارك وهمية، يمنح بها نفسه أوسمة نزاهة لا توجد إلا في مخيلته النرجسية. خروج رئيس جنوب السودان، سلفاكير ميارديت، بعد خمسة عشر عاماً ليزعم أن الرئيس السوداني السابق عمر البشير عرض عليه رشوة بقيمة 505 ملايين دولار لعرقلة الاستفتاء، ليس مجرد رواية سياسية متأخرة؛ بل هو أعلى درجات الإفلاس الأخلاقي، وسقوط مدوٍّ لرجل حوّل حلم الاستقلال العظيم إلى كابوس مرعب يعيشه الشعب صباح مساء.
هذه "البروباغندا" البائسة تضع سلفاكير ميارديت شخصيًا أمام مقصلة المنطق والمساءلة التاريخية، وتكشف بوضوح كيف تحولت الرئاسة في جوبا – بفضله – من أداة لبناء أمة سيادية إلى عيادة نفسية لتبرير الفشل الشخصي والعجز الإداري.
أسئلة فاضحة لصمت مشبوه: لماذا الآن يا سيادة الجنرال؟
إذا كان سلفاكير ميارديت يملك ذرة من الشجاعة السياسية والنزاهة الوطنية التي يدعيها اليوم، فلماذا صمت عن هذه "الرشوة المليونية" المزعومة يوم الحادي عشر من يوليو 2011؟ في ذلك اليوم التاريخي، يوم رُفع علم الدولة الجديدة، وأُطلقت الوعود، وصُوِّبت عيون المجتمع الدولي نحو جوبا، كان كشف هذا العرض سيمثل الضربة القاضية لنظام الخرطوم، والوقود الرمزي الأكبر لشرعيته الشخصية الحاكمة.
لكنه فضّل الصمت المريب. وصمته طوال عقد ونصف لم يكن حكمة أو دبلوماسية، بل كان انتهازية سياسية فجة. وتذكُّره الفجائي لهذه الواقعة الآن، وسط الانهيار الشامل، يؤكد حقيقة واحدة فاضحة: أن الرجل الذي يدعي ترفُّعه عن رفض نصف مليار دولار لإنقاذ الاستفتاء، هو نفسه الرجل الذي أشرف على نهب وضياع مئات المليارات من عوائد النفط والمساعدات الدولية، ليحرم شعبه من أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
سلفاكير ميارديت: المهندس الأول والأوحد لخراب جنوب السودان
لم يعد مقبولًا ولا من الفطنة إلقاء اللوم على "النظام"، أو "مخلفات الماضي"، أو "الظروف المحيطة"؛ فسلفاكير ميارديت هو العقبة كأداء، والسبب الرئيسي، والمنبع الأول لفشل الدولة الوليدة وضياع هيبتها. طوال 15 عامًا من حكمه الفردي المطلق، لم يقدم هذا الرجل لشعبه سوى ثلاثة إنجازات كارثية مكتوبة بدم الأبرياء وتحمل توقيعه الشخصي:
مؤسسة الفساد القبلي الانتهازي: حوّل سلفاكير مفاصل الدولة ومواردها إلى إقطاعيات عائلية وحاضنة قبلية ضيقة، مستخدمًا سياسة "فرق تسد" الخبيثة لإشعال الحروب الأهلية بالوكالة وتثبيت كرسيه المهترئ فوق جماجم أبناء الوطن الواحد.
صناعة أكبر مأساة نزوح ولجوء في أفريقيا: في عهده الشخصي، وبسبب جشعه الأعمى للسلطة، تحول نصف سكان جنوب السودان إلى نازحين يقبعون في معسكرات البؤس، أو لاجئين تذرُوهم الرياح في دول الجوار. الدولة التي سكب الشعب دمه لتكون ملاذًا آمنًا لهم، تحولت بفضل قبضته الأمنية الفاشلة إلى مقبرة طاردة لنهضتها وعقولها.
المحو التنموي الشامل وعصر الأمية السياسية: في بلد يسبح فوق بحيرات من النفط الوفير، عجز سلفاكير ميارديت عن رصف طريق بري محترم واحد يربط المدن الرئيسية، أو بناء مستشفى مؤهل يقدم الحد الأدنى من العلاج لمواطنيه (بينما يسافر هو وحاشيته الفاسدة للعلاج في عواصم الخارج)، لتتحول المدارس في عهده العجيب إلى أطلال مهجورة ومقار للميليشيات، تشهد على دمار الوعي والتنمية.
نكتة "النزاهة" في زمن الموت والجوع
أن يتبجح رئيس برفض نصف مليار دولار في الماضي، بينما يرزح شعبه اليوم تحت خط الفقر المدقع، ويفتقد للأمن والأمان والأمل، هي مفارقة تثير القرف والاشمئزاز السياسي. المواطن في جنوب السودان لا يقتات على الحكايات المفبركة، ولا يستطيع حماية أطفاله من بندقية الميليشيات المنفلتة بروايات البطولات الزائفة لعام 2011.
إن محاولة سلفاكير الرخيصة لتغطية عورات فشله الذريع، وسقوط شرعيته الأخلاقية، وتشريد نصف الشعب عبر استدعاء "مظلوميات ورشاوى الماضي"، هي رقصة مذبوحة غبية على جراح أمة تنزف بلا توقف. لقد أثبت سلفاكير ميارديت بما لا يدع مجالًا للشك، أنه قد يصلح كقائد ميليشيا محلي وسط أحراش الغابة، لكنه فشل فشلًا تاريخيًا وفاضحًا ومخزيًا في أن يكون رجل دولة، وسيذكره التاريخ حتمًا باعتباره المهندس الرئيسي لضياع حلم جنوب السودان وتحويله إلى رماد.
Newer articles:
- إنتاج أكبر شركة نفط في جنوب السودان يقفز لأعلى مستوى منذ 21 عامًا - 05/06/2026 17:28
- وزير خارجية مصر يلتقي نظيره الجنوب سوداني لبحث تعزيز العلاقات والتعاون الإقليمي - 03/06/2026 16:17
- أكثر من 380 نازحا خلال يومين جنوب كردفان في ظل تصاعد الاشتباكات - 03/06/2026 16:08
- الحقول المشتركة بين السودان وجنوب السودان.. جسر تواصل بعد الانفصال - الطاقة - 29/05/2026 15:09
- “فتحوا النار على مدنيين بينهم مسنّون”… مجزرة لعناصر “حميدتي” في ولاية شمال كردفان توقع 27 قتيلاً - 29/05/2026 15:05
Older news items
- أطباء بلا حدود: المساعدات تُستخدم لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية في جنوب السودان - 20/05/2026 13:14
- المحكمة البريطانية تمنع جنوب السودان من بيع النفط مقدمًا حتى سداد ديونه - 20/05/2026 13:10
- من الثورة إلى الدولة: هل حان الوقت لمراجعة المسارالسياسي في جنوب السودان - 18/05/2026 11:36
- بصمات آبي أحمد على بنادق حميدتي.. لماذا تغذي إثيوبيا حرب السودان؟ - 13/05/2026 11:49
- أمريكا تفرض قيود تأشيرات على مسؤولين في جنوب السودان - 13/05/2026 11:46
Latest news items (all categories):
- Vietnamese man deported from U.S. to South Sudan is repatriated after months in detention - 19/06/2026 17:11
- South Sudan Holds Joint Ministerial Meeting on EAC Infrastructure and ICT Projects - 19/06/2026 17:08
- Japan extends Self-Defense Forces deployment in South Sudan - 19/06/2026 17:04
- Research ● Belarus between Hormuz and Zangezur: new geopolitical horizons of Eurasian security and logistics - 17/06/2026 14:06
- South Sudan is Looking Beyond Oil. The Risks are Familiar - 17/06/2026 13:50
See also (all categories):
Random articles (all categories):
- U.S.: South Sudan Killings Show Unbelievable Cruelty - 02/05/2014 03:30
- Why China Is So Invested In South Sudan's Future - 23/06/2016 08:08
- South Sudan pulls first troops from border with Sudan - Reuters - 17/03/2013 12:42
- Passion for football brings communities together in Morobo on Human Rights Day - 14/12/2021 03:34
- U.S. prepares draft threatening UN sanctions on South Sudan - 25/02/2015 06:43
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 98049 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 64015 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52171 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49379 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46123 times