logo

جنرال جونسون اولونج مصدر الصورة يوتيوبجنرال جونسون اولونج (مصدر الصورة : يوتيوب) 

د فولينو جوض

في جنوب السودان، لا يكفي أن تُستوعب قوة داخل الجيش لكي تصبح جزءًا من الدولة. فقد يكون الاستيعاب مجرد شكل، بينما الواقع هو التوظيف: استخدام القوة في الميدان دون شراكة سياسية، ودون تنفيذ ملفات المجتمع الذي حمل السلاح. وبين الاستيعاب والتوظيف تكمن مأساة أقويليك: قوة تُدمج على الورق، لكنها تُستهلك في الحرب دون أن تتحول إلى مؤسسة وطنية مكتملة.

المشكلة في جنوب السودان ليست من يحمل السلاح، بل من يحدد معناه: هل هو سلاح دولة أم سلاح تسوية أم أداة استنزاف؟

هل أصبح جزءًا من مؤسسة وطنية واضحة؟

أم ظل مجرد قوة تُستدعى عند الحاجة، ثم تُترك خارج القرار حين يحين وقت الحقوق؟

هذا السؤال هو جوهر مأزق قوات أقويليك اليوم، وهو مأزق يتجاوز الأشخاص والرتب إلى بنية الدولة نفسها.

أولًا: الاستيعاب… اندماج في الشكل لا في الجوهر

منذ تفاهمات عام 2022، ساد الاعتقاد بأن أقويليك دخلت مرحلة جديدة من “الاندماج الوطني” مع الحكومة، وأن صفحة التمرد والانقسام قد أُغلقت لصالح مشروع الدولة.

لكن السنوات التالية كشفت أن ما حدث لم يكن اندماجًا كاملاً بالمعنى الحقيقي، بل كان أقرب إلى استيعاب شكلي يقوم على عناصر محدودة:
• إدخال بعض القيادات في المنظومة الرسمية
• منح رتب داخل الجيش
• حضور رمزي في المشهد العسكري
• دون استكمال الملفات الأساسية التي قام عليها الاتفاق

وهنا ينبغي التمييز بين الاستيعاب بوصفه دمجًا مؤسسيًا حقيقيًا، وبين الاستيعاب بوصفه مجرد واجهة سياسية مؤقتة. فالقوة قد تُستوعب رسميًا، لكن الدولة لا تمنحها بالضرورة مكانة شراكة كاملة.

ثانيًا: التوظيف… حين تصبح القوة أداة لا شريكًا

المشكلة ليست في دخول أقويليك إلى الدولة، بل في الكيفية التي جرى بها هذا الدخول.

فالدولة في كثير من تجارب ما بعد الحرب لا تدمج القوى المسلحة لكي تبني جيشًا وطنيًا، بل لكي توظفها في إدارة الصراع وتوازناته:
• تُستدعى للقتال حين تحتاجها الجبهة
• تُستخدم لإثبات السيطرة على الإقليم
• تُقدَّم كرمز للانضباط الوطني
• لكنها لا تُمنح شراكة كاملة في القرار
• ولا تُنفذ مقابلها استحقاقات المجتمع

وهكذا يتحول “الاندماج” إلى استعمال، ويتحول الاستيعاب إلى توظيف.

والفرق بينهما جوهري:
• الاستيعاب يبني دولة
• التوظيف يدير أزمة
• الاستيعاب عقد اجتماعي
• التوظيف صفقة مؤقتة

ثالثًا: الرتب ليست دولة

أحد أخطر الأوهام السياسية في جنوب السودان أن يُختزل الاندماج في اعتماد قائد أو ترقيته داخل الجيش.

قد يصبح الجنرال جونسون أولونج جزءًا من قيادة SSPDF، لكن ذلك لا يعني أن أقويليك كمنظومة أصبحت جزءًا مكتملًا من الدولة.

فالاندماج الحقيقي لا يُقاس بـ:
• رتبة على الكتف
ولا بـ
• صورة في القيادة العامة

بل يُقاس بـ:
• تنفيذ الاتفاقات
• حماية المجتمع
• حل قضايا الأرض والنزوح
• ضمانات سياسية واجتماعية واضحة
• بناء الثقة المؤسسية

إن أولونج ليس الدولة، والاندماج ليس شخصًا.

رابعًا: ملفات ما بعد 2022… أين التنفيذ؟

السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح هو:

ماذا تحقق فعلاً منذ 2022؟

أين ملف ملكال؟
أين قضية النازحين؟
أين ضمانات المجتمع المحلي؟
أين العدالة لضحايا ما بعد 2013؟

حين تبقى هذه الملفات معلقة، يصبح الحديث عن “اندماج” مجرد عنوان بلا مضمون. تصبح الاتفاقات واجهة سياسية، لا مشروع دولة.

خامسًا: الاستنزاف… حين تُستهلك القوة دون ضمانات

الخطر الأكبر أن تتحول أقويليك إلى ذريعة بشرية داخل حرب لا تملك تعريفها السياسي.

أن تُستدعى القوات إلى الجبهات، بينما يُترك المجتمع بلا ضمانات، وبلا عودة، وبلا عدالة.

هذا ليس اندماجًا… بل استنزاف.

فالاستنزاف يعني أن القوة تُستهلك في المعركة دون أن تصبح شريكًا في القرار، ودون أن يحصل المجتمع الذي حملها على مقابل سياسي أو أخلاقي يوازي حجم تضحياته.

الحرب قد تستهلك الرجال، لكن التوظيف السياسي يستهلك المعنى.

سادسًا: منطقة الرماد… بين الدولة والظل

أقويليك تشكلت داخل سياق جنوب السودان المعقد، حيث ظلت الولاءات متحركة، والتحالفات متذبذبة، والانقسام بين الحكومة والمعارضة غير ثابت في كثير من اللحظات.

وهذا خلق التباسًا عميقًا لدى المجتمع المدني:

من هو الحامي؟
ومن هو الخصم؟
وأين تقف حدود الدولة؟

الدولة الحديثة لا تسمح بهذه المنطقة الرمادية، لأن المدني يدفع ثمنها دائمًا.

سابعًا: الجناح السياسي… سؤال المؤسسة الوطنية

إذا كانت أقويليك جزءًا كاملًا من الجيش الوطني، فما معنى وجود جناح سياسي أو خطاب تعبوي خاص بها؟

الجيش الوطني يفترض أن يكون فوق الاصطفاف السياسي، وأن تُحسم علاقته بالدولة عبر القانون لا عبر التسويات المؤقتة.

وجود امتداد سياسي لقوة مدمجة جزئيًا يكشف أن الدولة ما تزال تُدار بمنطق التوظيف لا بمنطق المؤسسة الوطنية، وأن الاستيعاب لم يكتمل بعد.

ثامنًا: مراجعة الذات قبل فوات الأوان

المسؤولية هنا لا تقع على الحكومة وحدها، بل على قيادة أقويليك أيضًا.

اللحظة الراهنة تتطلب مراجعة صريحة:

هل نحن شريك أم أداة؟
هل نحن داخل الدولة أم داخل ظلها؟
هل الاتفاق يُنفذ أم يُستعمل كشعار؟
هل الاندماج مؤسسي أم شخصي؟

بدون هذه المراجعة، يصبح الوهم أخطر من الحرب.

خاتمة: الدولة لا تُبنى بالتوظيف

الاندماج الحقيقي لا يعني أن تقاتل باسم الدولة، بل أن تصبح جزءًا من عقدها الاجتماعي.

والدولة التي تستخدم القوى ثم تنساها، ليست دولة وطنية، بل سلطة تدير الحرب بدل أن تنهيها.

إن مستقبل أعالي النيل لن يتحدد فقط بمن ينتصر في الميدان، بل بمن ينتصر في سؤال المؤسسة:

هل نريد جيشًا وطنيًا؟
أم مجرد إعادة ترتيب البنادق داخل دولة لم تكتمل؟