logo

أنشأت جوبا في مارس 2013 سلطة الطيران المدني لتكون الجهة الوطنية المعنية بتنظيم قطاع النقل الجوي وتطويره (أ ف ب)

أنشأت جوبا في مارس 2013 سلطة الطيران المدني لتكون الجهة الوطنية المعنية بتنظيم قطاع النقل الجوي وتطويره (أ ف ب)

دخلت دولة جنوب السودان مرحلة جديدة في إدارة مجالها الجوي، مع موافقة منظمة الطيران المدني الدولي "إيكاو" رسمياً على إنشاء "منطقة جوبا لمعلومات الطيران"، في قرار ينهي نحو 15 عاماً من ارتباط أجواء البلاد إدارياً بـ"منطقة الخرطوم لمعلومات الطيران"، ويكرس للمرة الأولى منذ انفصال الجنوب في عام 2011 مسؤولية جوبا المباشرة عن إدارة مجالها الجوي.

 كان تشغيل أول نظام وطني لإدارة الحركة الجوية في مايو (أيار) الماضي، حين دشنه الرئيس سلفا كير ميارديت من برج المراقبة الحديث في مطار جوبا الدولي، قائلاً إن بلاده "استعادت أخيراً السيطرة الكاملة على مجالها الجوي".

وبموجب الترتيب الجديد، تنتقل إلى السلطات الجنوب سودانية مسؤوليات إدارة الحركة الجوية وتوفير خدمات الملاحة ومعلومات الرحلات وتحديثات الطقس والتنسيق في حالات الطوارئ، فضلاً عن إدارة عائدات عبور المجال الجوي. ويعتمد النظام على مركز متطور لإدارة الحركة الجوية، وبرج مراقبة حديث، وستة أنظمة رادار، إلى جانب شبكة مراقبة وملاحة ترتبط بمطارات جوبا وواو وملكال.

وجاء الاعتماد الدولي عقب مقترح قدمته هيئة الطيران المدني في جنوب السودان، بقيادة مديرها العام أيي قرنق أيي، خلال ندوة دعم التنفيذ العالمية لـ"إيكاو" بمراكش المغربية في أبريل (نيسان) الماضي، الذي أوضح أن "إنشاء منطقة جوبا لمعلومات الطيران ليست مجرد تعديل فني في خرائط الملاحة، بل يضع جنوب السودان أمام مسؤولية مؤسسية كاملة عن أحد مقومات سيادتها، ويفتح في الوقت ذاته مرحلة جديدة من التعاون الجوي الإقليمي"، وينظر إلى الخطوة بوصفها اختباراً لقدرة الدولة على تشغيل منظومة طيران وطنية بمعايير دولية بعد أعوام من الانتظار.

AFP__20181029__1AF0O5__v1__HighRes__SsudanTransportAirport.jpg

تنتقل إلى السلطات الجنوب سودانية مسؤوليات إدارة الحركة الجوية وتوفير خدمات الملاحة ومعلومات الرحلات وتحديثات الطقس والتنسيق في حالات الطوارئ (أ ف ب)

نقطة تحول

تعود إدارة دولة جنوب السودان لمجالها الجوي إلى ترتيبات ما بعد الانفصال، حين استمرت خدمات الملاحة الجوية تدار من الخرطوم، في ظل افتقار الدولة الجديدة إلى البنية التحتية والكوادر اللازمة لتولي هذه المسؤولية. وفي مارس (آذار) 2013 أنشأت جوبا سلطة الطيران المدني لتكون الجهة الوطنية المعنية بتنظيم قطاع النقل الجوي وتطويره، في إطار بناء مؤسسات الطيران للدولة الوليدة.

وشكل عام 2016 نقطة تحول في هذا المسار، عندما أبرمت حكومتا السودان وجنوب السودان اتفاقاً، تحت إشراف "إيكاو"، يقضي باستمرار إدارة السودان للمجال الجوي العلوي لجنوب السودان بصورة موقتة، بالتوازي مع تطوير جوبا بنيتها التحتية وتأهيل كوادرها. ونص الترتيب على التمهيد لإنشاء "منطقة جوبا لمعلومات الطيران"، على أن تنتهي المرحلة الانتقالية خلال ثلاثة أعوام، غير أن ضعف الجاهزية الفنية والتأخر في التدريب أديا إلى تمديدها أكثر من مرة.

وتدرج نقل المسؤوليات بعد ذلك، ففي عام 2021 أعلنت جوبا تولي إدارة المجال الجوي السفلي، بينما ظلت الخرطوم مسؤولة عن المجال العلوي. وفي يوليو (تموز) 2020 بدأ تنفيذ مشروع وطني لإدارة الحركة الجوية، واكتملت أعماله في ديسمبر (كانون الأول) 2023 بواسطة شركة هندسة الموانئ الصينية، متضمنة تجهيزات المراقبة والملاحة اللازمة لانتقال المسؤولية.

وبحلول أبريل 2024، أعلن الرئيس سلفا كير أن بلاده تقترب من استعادة السيطرة الكاملة على مجالها الجوي، موضحاً أن الخطوة ستتيح لجوبا تسجيل شركات الطيران وتحصيل الرسوم السيادية بصورة مستقلة. وهكذا جاء تشغيل النظام الوطني لاحقاً بعد مسار مؤسسي وتقني خاض مرحلة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بعد تأسيس الدولة.

ارتفاع المسؤولية

قالت الصحافية الجنوب سودانية سينثيا إيبوت تاكانغ قد يكون إنشاء "منطقة جوبا لمعلومات الطيران" أكثر أهمية مما يوحي به الطابع الفني للقرار، فهو ينقل جنوب السودان إلى موقع مختلف داخل منظومة الطيران الإقليمية، فالدولة التي كانت تعتمد على ترتيبات موروثة من مرحلة ما قبل الاستقلال تصبح طرفاً مسؤولاً عن تقديم خدمة عابرة للحدود، وتخضع في هذا الدور لمعايير دولية وإقليمية لا تقتصر على امتلاك البنية التحتية.

وأوضحت أن أهمية الخطوة تتجاوز مسألة إدارة الطائرات، لأنها تعكس انتقال مؤسسات الدولة من مرحلة بناء الصلاحيات إلى ممارسة مسؤوليات يمكن أن تخضع للتقييم والمساءلة. وأفادت بأن قدرة جوبا على إدارة مورد استراتيجي وفق قواعد واضحة ستؤثر في صورة الدولة لدى شركائها الإقليميين والدوليين، خصوصاً أن المجال الجوي جزء من شبكة تتطلب تنسيقاً دائماً ولا تعمل بمنطق الحدود السياسية وحدها. ومن هذه الزاوية قد تعيد الخطوة تشكيل العلاقة العملية مع السودان، فبدل أن تكون الخرطوم الجهة التي تدار عبرها خدمة جوية تخص أراضي دولة أخرى، تصبح جوبا نظيراً مؤسسياً في ترتيبات العبور والتنسيق والمعلومات الجوية. ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع التعاون، لكنه يزيل إحدى بقايا الترتيبات التي استمرت من مرحلة الوحدة، ويفرض على البلدين بناء العلاقة الجوية على أساس مؤسستين وطنيتين مستقلتين.

4 (1).jpg

تبقى الحاجة إلى التنسيق بين جوبا والخرطوم قائمة بحكم اتصال مسارات الطيران ومناطق معلوماتها عبر الحدود (وسائل التواصل)

وأضافت تاكانغ "كذلك تمنح الخطوة جنوب السودان حضوراً أكبر في النقاشات الإقليمية المتعلقة بتنسيق المجال الجوي وسلامة الطيران وتخطيط المسارات. وهذا الحضور قد يتحول تدريجاً إلى ورقة تفاوضية في علاقات جوبا مع دول الجوار، لأن انتظام حركة الطيران بين شرق ووسط أفريقيا يعتمد على قدرة الدول المتجاورة على تبادل المعلومات وتنسيق إجراءاتها".

لكنها ترى أن هناك وجهاً آخر لهذا المكسب السياسي هو ارتفاع سقف المسؤولية، فكلما اتسعت صلاحيات جوبا، تقلصت مساحة إسناد أوجه القصور إلى ترتيبات خارجية، ومن ثم فإن منطقة جوبا ستصبح اختباراً مؤسسياً لقدرة الدولة على تحويل السيادة من مفهوم سياسي إلى إدارة قابلة للقياس والمساءلة، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية لحركة الطيران والاتصال والنقل.

تحديات قائمة

على رغم اكتمال البنية الأساسية التي تتيح لجنوب السودان إدارة مجالها الجوي، فإن الاختبار الأصعب يبدأ مع التشغيل المستدام، في بلد لا تزال مؤسساته تعمل تحت ضغط أمني واقتصادي حاد، فامتلاك منظومة متقدمة للمراقبة والملاحة لا يكفي وحده، إذ تحتاج هذه المنظومة إلى تمويل منتظم للصيانة وتحديث المعدات وتأمين مصادر الطاقة والاتصالات والحفاظ على كوادر مؤهلة قادرة على تشغيلها على مدى الساعة.

ويكتسب العامل المالي أهمية خاصة، فقد سبق أن تعثر تنفيذ مشروع إدارة الحركة الجوية بسبب تأخر سداد مستحقات الشركة المنفذة، وهو ما يكشف ضعف القدرة على تمويل مشروعات البنية التحتية طويلة الأجل، كذلك أن قطاع الطيران ذاته يواجه ارتفاع كلف التشغيل، وفي فبراير (شباط) الماضي رحبت شركات الطيران بخفض الرسوم الجوية في جنوب السودان بنسبة 20 في المئة، بعدما دفعت الكلف المرتفعة بعض الناقلات إلى تعليق عملياتها.

وقال المسؤول في هيئة الطيران المدني، أبيو دي مايواك، إن البلاد باتت تستوفي المتطلبات اللازمة لإدارة مجالها الجوي من خلال أنظمة مراقبة الحركة الجوية والكوادر المؤهلة والبنية التحتية المحسنة، مع الاعتماد على ثلاثة مصادر للطاقة لضمان استمرارية التشغيل، ويضيف "لكن استدامة هذه القدرة ستظل مرتبطة بقدرة الدولة على حماية إيرادات الطيران من سوء الإدارة والتدخلات، في ظل تحذيرات أممية من أخطار ترتيبات مالية غير شفافة طاولت إيرادات تدفعها شركات الطيران مقابل التحليق فوق البلاد، كذلك فإن ضعف الحوكمة والفساد ونقص الموارد، وهي تحديات موثقة على نطاق واسع في مؤسسات الدولة، قد تنعكس على قطاع الطيران إذا لم تدعم الهيئة باستقلال تنظيمي ومالي كاف".

ويرى مايواك، بالنسبة إلى السودان، أنه لا تبدو الخسارة في صورة اضطراب مباشر لحركة الطيران، بقدر ما تتمثل في انتقال مسؤوليات ورسوم ملاحة كانت تدار من الخرطوم إلى جوبا، وتبقى الحاجة إلى التنسيق بين البلدين قائمة بحكم اتصال مسارات الطيران ومناطق معلوماتها عبر الحدود.

المصدر