
رئيس جنوب السودان سلفاكير (يمين) يصافح نائبه الأول رياك مشار أثناء حضوره حفل تنصيبه في قصر الرئاسة بجوبا، في 22 فبراير 2020، جنوب السودان (الفرنسية)
يبدو أن جمهورية جنوب السودان موعودة بتحولات كبرى خلال المرحلة القادمة، ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بنتائج هذه التحولات، إذ قد تقود البلاد إلى لحظة التمزق والانهيار، أو قد تقودها إلى فتح أبواب الحوار والعودة إلى منصة التأسيس مرة أخرى.
فقد فاجأ الرئيس سلفاكير ميارديت الأوساط السياسية والإعلامية بما يمكن تسميته انقلابًا على نائبه ومرشحه المفضل لخلافته بنجامين بول ميل، فأبعد عددًا من المسؤولين الذين اختارهم بول ميل، وأعاد المجموعة القديمة القريبة منه، وفيهم وزير شؤون الرئاسة ومدير مكتبه وقيادة حرسه الخاص، بجانب وزير المالية. وكانت أخطر القرارات هي إبعاد مستشاره الأمني اللواء مدوت دوت يل، وإعادة مستشاره القديم المثير للجدل الجنرال توت قلواك مانيمي.
اعتبر الكثيرون هذه الخطوة تقليصًا لصلاحيات بول ميل، الذي حرص منذ تعيينه في فبراير/شباط الماضي على أن يأتي بمجموعة ممن يدينون له بالولاء ليحيطوا بالرئيس سلفاكير، وبدأ يتصرف وكأنه الرئيس، رغم أنه واحد من خمسة نواب لرئيس الجمهورية، منهم النائب الأول رياك مشار الذي اعتقله سلفاكير وقدّمه لمحاكمة لا تزال تجري حتى الآن، وترتيب بول ميل البروتوكولي لا يضعه بعد الرئيس مباشرة. والنواب الآخرون هم تعبان دينق الذي انشق عن رياك مشار، وجوزفين لاقو ممثلة تحالف «سوا» الذي يقوده الدكتور لام أكول، وريبيكا قرنق أرملة جون قرنق، بجانب بول ميل.
انقلاب سلفاكير الصامت على نائبه المفضل
تزايد نفوذ بول ميل أثار سخط الكثيرين، ليس فقط في المعارضة، بل داخل الحركة الشعبية، وبالذات وسط القيادات التاريخية سواء جيل قرنق وسلفاكير أو الجيل الذي جاء بعدهم. والحقيقة أن بول ميل جاء من خارج قيادات الحركة الشعبية (SPLM)، فقد كان عضوًا صغيرًا بالتنظيم الشبابي للحركة، ثم اتجه للعمل الخاص وسرعان ما أصبح من كبار الأثرياء، كما صار قريبًا من الرئيس سلفاكير وأسرته.
وبدا واضحًا أن الرئيس سلفاكير يعدّه ليخلفه، فقد أقال جيمس واني إيقا، وهو من القيادات التاريخية للحركة، من منصب نائب رئيس الجمهورية ليأتي ببول ميل، وعيّن إيقا سكرتيرًا عامًّا للحركة الشعبية، لكنه أقاله بعد أشهر قليلة ليحل مكانه البروفيسور باول دوقولي جومي. وتبع ذلك عدد من التعيينات وعمليات الإحلال والإبدال لكوادر الحركة في التنظيم والجهاز التنفيذي بغرض إحكام قبضة النائب بول ميل على السلطة. ويقول كثير من المراقبين إن الحالة الصحية للرئيس سلفاكير لا تمكنه من المتابعة الدقيقة، وإن هذه القرارات من إعداد وتجهيز بول ميل.
كانت الخطوة الأخطر في اتجاه تمكين بول ميل وفتح الباب أمامه ليترشح ويفوز في الانتخابات القادمة هي إبعاد المنافس الأخطر من خارج الحركة الشعبية والتيار الرئيسي، وهو الدكتور رياك مشار النائب الأول لرئيس الجمهورية وقائد التنظيم المنشق المسمى «الحركة الشعبية في المعارضة» (SPLM-IO).
وبدأت الخطة بوضع الدكتور رياك مشار قيد الإقامة الجبرية في منزله في مارس/آذار الماضي، ومنعت عنه الزيارات واللقاءات، وسط اتهامات بأنه مسؤول عن عمليات هجوم قامت بها قوات تابعة له ومجموعات من مسلحي النوير الذين يسمّون الجيش الأبيض، ضد القوات الحكومية في منطقة الناصر. وزارت جوبا عدد من الوفود الممثلة لمنظمات إقليمية ودولية بغرض الوساطة، لكنها لم تستطع الوصول إلى رياك مشار. وقبل حوالي شهرين تمّت إحالته إلى المحاكمة التي لا تزال تجري في العاصمة جوبا.
مناورة لتقليص نفوذ بول ميل وإعادة التوازن القبلي
يبدو أن حسابات ترشيح بنجامين بول ميل للرئاسة خلفًا لسلفاكير كانت تقول إن رياك مشار هو التحدي الأكبر، رغم أنه لا ينتمي لأغلبية الدينكا التي ينتمي إليها سلفاكير وبول ميل، لكنه صاحب تاريخ طويل في الحركة الشعبية وفي السياسة الجنوبية منذ الثمانينيات، وله علاقات إقليمية ودولية واسعة، في حين أن بول ميل قد لا يحظى حتى بتأييد أوساط في الحزب الحاكم، كما أنه يواجه عقوبات اقتصادية دولية بتهم الفساد.
التغييرات الأخيرة تشي بأن الرئيس سلفاكير ربما يريد حلا وديا لمشكلة رياك مشار التي قد تفقده تأييد مجموعة النوير القبلية، وهي الثانية من حيث الحجم بعد قبيلة الدينكا، ولهذا أعاد توت قلواك الذي ينتمي لقبيلة النوير إلى موقعه، بما يفتح الباب أمامه لمناورة تقلص نفوذ بول ميل وتعالج قضية مشار خارج المحكمة، وإعادة النقاش حول تطبيق اتفاقية السلام المنشطة التي تعطلت الآن. كما قد يفلح قلواك، القريب من المؤتمر الوطني والمجموعة العسكرية، في إقناع حكومة بورتسودان باستئناف ضخ النفط المستخرج في الجنوب إلى ميناء بورتسودان.
هذا كله رهين بانحناء بول ميل للعاصفة، أما لو حاول تحركًا مضادًّا فقد يدخل البلاد في أزمة جديدة، في حين أنها مثقلة أصلًا بأزمات عديدة.
Newer articles:
- التنسيقية: تصويت المصريين بالخارج يشمل الجالية في جوبا بجنوب السودان - 21/11/2025 21:02
- هل تسعى "الدعم السريع" إلى جر جوبا لحرب السودان؟ - 18/11/2025 18:07
- جنوب السودان.. سلفا كير يعيّن جيمس واني إيقا نائبًا له من جديد - 18/11/2025 18:00
- هل ترمم عودة توت قلواك الثقة وتوازن السلطة بجنوب السودان؟ - 14/11/2025 12:33
- حكومة جنوب السودان تطلب اقتراض 2.5 مليار دولار بضمان النفط - 14/11/2025 12:18
Older news items
- مجلس الأمن: إحاطة مفتوحة تليها مشاورات مغلقة بشأن الوضع في جنوب السودان - 11/11/2025 11:48
- تقرير دولي يكشف وجود شبكة بحرية تربط جنوب السودان بالحوثيين - 07/11/2025 11:43
- ثروات السودان.. من فرصة اقتصادية كبرى إلى وقودٍ لحربٍ مستمرة - 07/11/2025 11:39
- رحيل المفكر والسياسي الجنوب سوداني بونا ملوال - 03/11/2025 20:46
- الأمم المتحدة: المجاعة تنتشر في مدينتي الفاشر وكادوغلي بالسودان - 03/11/2025 20:39
Latest news items (all categories):
- The SPLM ruling party is facing a dilemma and Thucydides trap at a pivotal moment - 24/08/2026 14:06
- Shanghai Cooperation Organization (SCO) countries are making green development an engine of growth - 24/08/2026 13:36
- President Salva Kiir in Pretoria Seeking Support Ahead of South Sudan’s December Elections - 24/08/2026 12:48
- Tambura’s fragile path from conflict to recovery - 24/08/2026 12:45
- South Sudan’s Yei Joint Stars advance to semi final stage of Zonal qualifiers - 24/08/2026 12:43
See also (all categories):
Random articles (all categories):
- UN tells Russia to leave Ukraine: How did countries vote? - 24/02/2023 00:09
- Refugees International rings alarm bell on humanitarian situation in South Sudan - 16/03/2015 05:58
- S.Sudan boosts presidential powers - 19/11/2015 10:03
- South Sudan to establish FemWise-Africa chapter - 02/11/2022 09:59
- WHY IS COLLO PUNISHED BY SPLA? - 17/05/2010 15:03
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 98604 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 64306 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52448 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49683 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46387 times