logo

https://cdn.elayemnews.dz/wp-content/uploads/2025/04/%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86.-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A8%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D8%AA%D8%AD%D8%AA-%D9%85%D9%82%D8%B5%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B6%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A.jpg

(المصدر : الايام نيوس)

 

في دهاليز السياسة المتقلبة، نادرًا ما تكون الإقالات الوزارية مجرد قرارات إدارية عابرة أو خطوات معزولة عن السياق العام. فهي غالبًا ما تعكس ارتدادات أزمات داخلية أو ضغوطًا خارجية تتفاعل في الكواليس وتفرض نفسها على مراكز القرار. هذا ما بدا جليًا في جنوب السودان، حين اتخذ الرئيس سلفاكير ميارديت قرارًا مفاجئًا بإقالة وزير الخارجية رمضان محمد عبد الله غوش، في توقيت حساس فتح المجال أمام سيل من التساؤلات، وجرّ خلفه سلسلة من التأويلات السياسية والدبلوماسية المتشابكة.

صدر المرسوم الرئاسي القاضي بإقالة وزير الخارجية مساءً عبر التلفزيون الرسمي، من دون تقديم أي تفسير علني، في لحظة بدت فيها جوبا وكأنها تتلمّس طريقها وسط ضباب أزمة دبلوماسية متصاعدة مع الولايات المتحدة، إحدى أبرز الجهات الداعمة لجنوب السودان منذ نشأته كدولة مستقلة عام 2011.

تعيين نائب الوزير، السفير ماندى سيميا كينيث كومبا، خلفاً لغوش، لم يكن مجرد تعديل إداري روتيني، بل جاء في وقت بالغ الحساسية، إذ تزامن مع احتدام أزمة دبلوماسية أعادت إلى الواجهة هشاشة العلاقات مع واشنطن، وطرحت أسئلة حول تماسك الموقف الدبلوماسي لبلد يواجه تحديات جمة على مختلف الأصعدة.

أزمة “كينتو” تفجّر الغضب الأمريكي

تجلّت أولى مظاهر الأزمة عندما رفضت سلطات جنوب السودان استقبال المواطن الكونغولي ماكولا كينتو، الذي كانت واشنطن قد رحّلته إلى جوبا بزعم استخدامه جواز سفر جنوب سوداني باسم شخص آخر. هذا الرفض، الذي استند إلى ادعاء بعدم أحقيته بدخول البلاد، أثار حفيظة الإدارة الأمريكية، التي ردّت بإجراء قاسٍ عبر إلغاء جميع التأشيرات الممنوحة لمواطني جنوب السودان، في خطوة غير مسبوقة دبلوماسيًا.

لم تمضِ سوى ساعات حتى بدت جوبا وكأنها ترضخ لضغوط واشنطن، إذ أعلنت لاحقًا قبول دخول كينتو، تحت عنوان “الحفاظ على العلاقات الودية مع الولايات المتحدة”، وفق ما أفادت به المتحدثة باسم وزارة الخارجية، أبوك أيويل مايِين. هذا التراجع السريع، وإن بدا محاولة لإنقاذ ماء الوجه، اعتُبر دليلاً على الارتباك في دوائر القرار الدبلوماسي، وربما عجّل بإزاحة الوزير من منصبه لتقديمه ككبش فداء أمام الشارع الدولي.

ولاية قصيرة ومهام ثقيلة

لم تدم فترة تولّي رمضان عبد الله غوش وزارة الخارجية أكثر من عام، إذ تسلّم منصبه في أفريل 2024، خلفًا للسفير جيمس بيتي مورغان الذي نُقل حينها إلى منصب المبعوث الخاص لمنطقة البحيرات العظمى. ورغم أن الوزير المُقال لم يكن من الشخصيات البارزة في وسائل الإعلام، إلا أن فترة توليه شهدت العديد من التحديات المرتبطة بالتعقيدات الإقليمية، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الغربية بشأن ملفات حقوق الإنسان والانتقال السياسي في جنوب السودان.

وتُشير مصادر مطلعة إلى أن أداء الوزير غوش، خاصة في ما يتعلّق بإدارة العلاقات مع بعض العواصم الغربية، لم يرقَ إلى تطلعات القيادة العليا، وهو ما ساهم في ترجيح كفة إقالته، لا سيما في ظل تصاعد الضغوط الخارجية، وفي مقدمتها تلك الصادرة عن الولايات المتحدة.

اختيار السفير ماندى سيميا كينيث كومبا خلفاً لرمضان غوش لم يكن اعتباطيًا. فالرجل يتمتع بخبرة دبلوماسية معتبرة، إذ شغل سابقاً منصب سفير جنوب السودان لدى الصين، إضافة إلى مناصب سفير غير مقيم لدى كل من أستراليا وماليزيا. هذه الخلفية المتنوعة تجعل منه شخصية مؤهلة للتعامل مع تحديات المرحلة المقبلة، والتي تتطلب خطابًا دبلوماسيًا مرنًا ومتوازنًا، وقدرة على التفاعل مع قضايا دقيقة تمسّ علاقات البلاد مع المجتمع الدولي.

تعيينه في أفريل 2024 نائبًا لوزير الخارجية جاء في سياق عملية إعادة هيكلة أوسع قادها الرئيس سلفاكير، سعيًا إلى إضفاء ديناميكية جديدة على الجهاز الدبلوماسي. واليوم، يُنظر إلى تصعيده على رأس الوزارة كإجراء لترميم ما انكسر، وبعث رسائل طمأنة إلى الخارج مفادها أن جوبا لا تزال ملتزمة بتهدئة الأجواء والانخراط في حوار بنّاء مع شركائها، وخاصة واشنطن.

تحديات أمام الوزير الجديد

منذ بداية عام 2023، عرفت وزارة الخارجية في جنوب السودان حالة من عدم الاستقرار الملحوظة، حيث تعاقب على قيادتها ثلاثة وزراء في أقل من عامين، وهو ما يطرح إشكالية تتعلق بغياب الاستمرارية في رسم وتنفيذ السياسات الخارجية. هذا الارتباك المؤسساتي يُضعف من موقع البلاد التفاوضي، ويجعلها عرضة للتأثر السريع بأي ضغوط دولية أو أزمات عابرة. ووفي وقت تسعى فيه جنوب السودان إلى الخروج من العزلة الدولية التي فرضتها الحروب الأهلية والانقسامات السياسية، تبدو الحاجة ماسة إلى قيادة دبلوماسية قوية، قادرة على إعادة بناء الثقة مع الشركاء، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والتعاون الإقليمي والدولي.

يُتوقّع من الوزير الجديد أن يواجه سلسلة من التحديات الثقيلة، في طليعتها ترميم العلاقات المتوترة مع واشنطن، وتقديم خطاب سياسي أكثر اتزانًا يعيد تعريف مكانة جنوب السودان في الملفات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، لا تقتصر مهمته على معالجة القضايا الدبلوماسية فحسب، بل تتعداها إلى أزمات إنسانية طاحنة تهدد استقرار الدولة، حيث يواجه أكثر من نصف سكان البلاد مستويات كارثية من الجوع. وقد أكدت تقارير برنامج الأغذية العالمي أن الوضع في جنوب السودان من أسوأ ما يكون منذ استقلال البلاد، حيث تعاني المناطق الأشد تأثراً، مثل أعالي النيل الكبرى، من مستويات متفاقمة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الصراعات المستمرة التي أدت إلى نزوح نحو 100,000 شخص، وتوقف عمليات الإغاثة الإنسانية.

ومن خلال هذه التحديات، يظهر جليًا أن الأزمة الإنسانية هي جزء من أزمة هيكلية أعمق تتعلق بالاستقرار السياسي والأمني، وهو ما يعقد من مهمة الوزير الجديد. إضافة إلى ذلك، تؤثر الصراعات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية بشكل كبير على قدرة الحكومة على تقديم الدعم لشعبها، مما يضع مزيدًا من العبء على علاقتها بالدول المانحة والشركاء الدوليين الذين يراقبون الوضع عن كثب. هذا التدهور في الأوضاع الإنسانية لا يقتصر على أزمة الغذاء فحسب، بل يترافق مع تفشي الأمراض مثل الكوليرا، مما يزيد من تعقيد المهمة الإنسانية.

وفي هذا السياق، يصبح تحسين صورة جنوب السودان في الخارج ضرورة استراتيجية لضمان استعادة الدعم الدولي والاعتراف بمساعي الحكومة في تحقيق الاستقرار. ولكن من دون مراجعة شاملة لمنظومة القرار الدبلوماسي والأمني، واعتماد سياسات أكثر نضجًا تُوازن بين المتطلبات الداخلية والدولية، فإن إقالة وزير الخارجية، وإن كانت خطوة رمزية، لن تكون كافية لتهدئة الأزمة المتفاقمة. إذ أن الحل الجذري لا يكمن في تبديل الأشخاص، بل في إعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، وتقديم حلول دبلوماسية وآنية للمشاكل التي تعصف بالبلاد على كافة الأصعدة.

المصدر