نحن حقاً نعيش مرحلة تاريخية مختلفة تماماً عن سابقاتها فيما يتعلق بتطورات قضية جنوب السودان من ناحية تراكم الوعي الجمعي للجنوبيين وقدرته علي توجيهم و إرشادهم لكيما يسيروا علي هداه وهم يستشرفون و يلتمسون الطريق نحو مستقبل أفضل ، وهو ما أدي بدوره الي تباين أدوات المحاججة و الدفع عندهم و أنتج هو الأخر تنوعاً في إسلوب إدارة الصراع مع المركز فيما إذا قورن الماضي بالحاضر.
فهذه الأدوات لم تعد نمطية تقليدية كما كان في غابر الايام ، و إنما تعداها الي إستغلال القدرات العقلية للتجمعات وشحذ الأمكانيات الذاتية وإستحداثها او إكتسابها من المحيط، كما أن الاسلوب لم يعد هو ذاك الإسلوب العتيق الذي كان ينزع الي الإنطواء والإنكفاء علي الذات و يغلب عليه طابع شكوي العاجز المذلول المغلول اليد ، ذاك الذي يلعن باستمرار حظه العاثر الذي أوقعه في هذه الجغرافيا، الي درجة إنه في أحايين كثيرة يكاد اليأس إن يملوه من شدة إرتفاع صوت الباطل و سيادة النفاق علي كل شئ.
ولما كان التسجيل هو أولي الخطوات نحو ممارسة الإستحقاق التاريخي الذي هو الإستفتاء، علاوة علي كونه- اي التسجيل- الخطوة العملية الأولي للمفوضية منذ إنشائها قبل ثلاثة أشهر ونيف، فلا مشاحة إنها تعني أيضاً إننا بالفعل بدأنا العدو في مضمار الإستفتاء الطويل والشاق ، وهو مضمار لا يقبل باي حال من الأحوال التعثر او التأخر.
ومثلما إنه لا جدال في إن سجل الناخبين الذي سيسفر عنه العملية الجارية حالياً بعد تدقيقه، سيكون هو الفيصل الأخير والحكم الوحيد المحدد لهوية أولئك الذين سيقررون مصير الجنوب من أولئك الذين سيتابعون الحدث علي شاشات التلفزة، فإن الحرص علي سلامة هذا السجل و صيانته من الوقوع في أيدي المدنسين واجب وطني لا يقل درجة من الواجبات الأخري، وهو ما بدا لي إن الجنوبيين لاسيما القاطنين في الشمال إستوعبوه جيداً عندما دعاهم الداعي الي التسجيل يوم الإثنين ولم يلبوا الدعوة!!
فالتسجيل علي الرغم من إنه حسب الجدول سيستمر حتي اول ديسمبر، فإن قرأءات اليوم الأول لتعفيك من متابعة الخلاصة الأخيرة، بل تجعلك تجزم من الوهلة الأولي بالحقيقة البائنة في أمارات الوجوه الشاحبة التي منذ إنطلاق الصافرة، تزاحمت وتظاهرت في نشوة داخل مراكز التسجيل في مدن الجنوب، و كأنها تستبق يوم الحسم الكبير، او إنك لتصل الي نفس النتيجة من خلال النظر الي تلك الوجوه الغاضبة التي فضلت الإحجام و إختارت الصمت في ولايات الشمال سداً لثغرة يريد إستغلالها اولئك الذين أدمنوا تزوير ارادات الجنوبيين!!
إذاً الإقبال الكبير الرائع من المواطنين في الجنوب والذي وصل الي درجة التدافع في بعض المراكز لم يكن هو باعث الدهشة بالنسبة لمراقبي الأوضاع ، فقد كان ذلك متوقعاً بحكم المعلوم من الأشياء بالضرورة ، لذلك خلا من عنصر الدهشة والإستغراب، لكن المفاجاة كانت فيما قابله من الطرف الأخر من تدني مريع في مستوي إقبال الجنوبيين في الشمال علي العملية ، وهو تدني وصل الي درجة الصفر في بعض المراكز لاسيما في الخرطوم العاصمة وهو درس بليغ إن كانوا يعتبرون!!
لا غلو إن حالة الإحجام هذه مستجدة تماماً علي المشهد وستلقي بظلالها عليه بما يجعلها ثيرموميتر قياس درجة سخونة او برودة الأحداث القادمة ، إنها تحمل دلالات جمة و رسالة ذات مغذي من الشعب الذي تراكم وعيه عبر سنين طويلة ذاق خلال كل صنوف المعاناة ، لذلك جاءت مباغتة الي درجة الارباك و الحيرة ، خاصة لأولئك السحرة الذين وضعوا أنفسهم في مقام الخالق القدير و ظنوا إن بإمكانهم صنع معجزة ما في اللحظة الأخيرة الحاسمة.
و أول هذه الدلالات هي إن درجة الوعي بأهمية الإستفتاء عند الجنوبي البسيط، ليس كما ظنه البائسون الذين ضلوا الطريق الي منعطفات أخري لا علاقة لها بمنطق الأشياء و الواقع عندما هموا بقراءة مشاعر الجنوبي حيال جدلية الوحدة أو الإنفصال.
هذا الوعي هو علي حال من الأحوال وعي توصل إليه الجنوبي من خلال متابعته لممحاكات الشريكين في الفترة الأخيرة حول إنجاز العملية و المسرحيات الهزيلة سيئة الإخراج التي انتجها المؤتمر وكانت أخرها ما سمي بزواج الوحدة وهو زواج مضحك الي درجة البكاء،وكذلك محاولات تخوين الداعين الي غير خيار الوحدة.
كما إنه ، أي الإندفاع نحو التسجيل من المواطنين في الجنوب و الإحجام عليه من الجنوبيين في الشمال يشير الي إن المواطن الجنوبي العادي فهم الرسالة تماماً من عنوانها ، ولا يحتاج الي وصاية من أحد فيما يتعلق بممارسه حقه الذي كفله إتفاقية السلام الشامل في تقرير مصيره و إتخاذ الخيار الانسب له ، وهو أمر فاجأ ربما حتي قيادة الحكومة في الجنوب نفسها التي طالما وردت عنها في الأونة الأخيرة ما دل علي تخوفها من مدي إستيعاب الجنوبيين خاصة اولئك المقيمن في الشمال لمعني الإستفتاء وحساسيته.
كيمي جيمس أواي
Newer articles:
- نتيجة سجل الإستفتاء بولاية أعالي النيل هل يمكن أن تولد صراع جديد بين الشلو و النوير؟ - 16/12/2010 00:00
- برقية تهنئة للقائد التغيير الديموقراطى - 16/12/2010 00:00
- مفهوم القيادة الادارية - 12/12/2010 00:00
- الديمقراطية تقييد لسلطة الحكام - 28/11/2010 00:00
- الإنفصال افضل خيار لشعب جنوب السودان - 26/11/2010 00:00
Older news items
- الوحدة الوحدة ولا شئ غير الوحدة هكذا يقولون:- - 16/11/2010 00:00
- التغيير الديمقراطي ...و صمود أمام الإدعاءات الكاذبة - 15/11/2010 00:00
- أعلن اتحاد الجالية Naath في ادمونتون - 15/11/2010 00:00
- public accountability counepمفهوم المساءلة او المحاسبة إلادارة العامة - 15/11/2010 00:00
- بعض الجوانب المهمة للاستعداد للاستفتاء - 15/11/2010 00:00
Latest news items (all categories):
- The power struggles among South Sudan’s political leaders are the direct cause of its ongoing conflict - 11/07/2026 14:03
- Celebrating Independence In The Midst Of Sorrow - 11/07/2026 13:41
- South Sudan resumes oil-backed financing - 11/07/2026 13:33
- Press statement: Strive For National Unity In Honor Of South Sudan's Independence - 10/07/2026 21:23
- Fifteen years of independence for South Sudan, but still little to celebrate - 10/07/2026 21:23
Random articles (all categories):
- Grants to Promote Gender Equality and Social Justice in South Sudan - fundsforNGOs - 12/09/2023 00:05
- Girl 'touched inappropriately' by Nepali peacekeepers in South Sudan - 24/04/2018 07:26
- The birds of the same feathers flock together-response to Mathiang Jalap Dongrin (Part 2) - 12/01/2020 20:44
- 150 killed as South Sudan marks independence anniversary - 09/07/2016 10:19
- Five things to know about South Sudan’s fragile peace deal - 16/09/2025 18:23
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 98345 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 64195 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52351 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49556 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46278 times