!باقان وأكول.. تحديق في سماء مرعدة

تقرير: أحمد يونس

وصف (خبثاء) المدينة رحيل قائد الحركة الشعبية الدكتور جون قرنق بأنه جاء (برداً وسلاماً) على وزير الخارجية الدكتور لام أكول، وهكذا فعل بعض خصومه في الحركة الشعبية



لم يلق هذا الوصف على عواهنه بل بمبرراته المستندة إلى سيرة الدكتور أكول في الحركة الشعبية، فقد خرج الرجل من الحركة الشعبية ووقع اتفاق فشودة للسلام مع الحكومة وعلى إثره تولى وزارة النقل، ودخلت قواته التي حملت اسم (الفصيل المتحد) معارك ضارية مع قوات الحركةالشعبية


لم يمكث الرجل في وزارة النقل إذ استقال وأسس ?حزب العدالة?، ثم غادر في رحلة خارجية نقلت أثناءها إحدى صحف الخرطوم خبر (تمرده بلغة ذلك الزمان) وعودته للحركة الشعبية مجدداً لكنه رفع دعوى قضائية ضد الصحيفة، لكن نبوءة الصحيفة صدقت وعاد الرجل للحركة الشعبية، ولم يعرف مصير الشكوى ضد الصحيفة حتى الآن!

ظل أكول في الحركة الشعبية يعاني (التهميش) من قبل قائدها الدكتور
جون قرنق ما دفعه لإرسال رسالة شهيرة يشكو فيها من عدم (تحديد) مهامه لرئيس الحركة الحالي الفريق سلفا كير ميارديت حين كان في موقع نائب الرئيس حينها

ظل وضع الرجل (هلامياً) بعد توقيع اتفاقية السلام إلى أن توفي الدكتور جون قرنق، بمجئ سلفا للقيادة ارتفعت أسهم الرجل كثيراً، فاسترد وضعه وجلس على أحد أهم الكراسي الوزارية التي نالتها الحركة الشعبية وفق اتفاقية قسمة السلطة
هذا الصعود الكبير للرجل لم يعجب كثيرين من قيادات الحركة الشعبية خصوصاً المقربون من الراحل جون قرنق، واعتبروا اعتماد سلفا عليه نوعاً من (الظلم)، لكنهم حرصاً على وحدة الحركة التنظيمية قبلوا بالأمر الواقع! لكن بعض قيادات الحركة ظلت تصرح بمقتها للرجل، تتهمه بأنه صار (مؤتمر وطني)، وتداول الرأي العام اتهامات من بعض قيادات الحركة للرجل بأنه أصبح (طيعاً) بيد الإسلاميين، والغريب في أمر الرجل أن حزبه يتهمه فيما يدافع عنه حزب المؤتمر الوطني ويعتبره أحد (أنجح) الوزراء في حكومة الوحدة الوطنية

هكذا بدأت سلسلة متاعب الرجل مع رفاقه في الحركة الشعبية التي وصلت حسبما أوردت صحيفة ?الحياة? اللندنية حد دعوة رئيس الحركة النائب الأول للرئيس سلفاكير ميارديت الى تنحيته وتعيين بديل له يمثل روح الحركة الشعبية، واتهمته بموالاة حزب المؤتمر الوطني الحاكم وتنفيذ اجندته، ووجهوا اليه جملة من التهم من بينها تهمة الخروج عن رؤية (الحركة الشعبية) وتصاعدت الأحداث سراعاً ليشكل رئيس الحركة الشعبية الفريق أول سلفا كير لجنة للتحقيق مع الدكتور لام اكول برئاسة وزير الشئون الانسانية كوستا مانيبي حسبما أوردت صحيفة ?الشرق الأوسط? اللندنية، حول ما ينسب إليه من تأسيس حركة سياسية (الجبهة الجنوبية الحديثة) مناوئة للحركة الشعبية، يقوم بتمويلها وتحريك عملها السياسي في الجنوب خاصة في منطقة اعالي النيل لعرقلة نشاط الحركة فيها

لبحث الأمر قال وزير الشؤون الإنسانية كوستا مانيبي في اتصال هاتفي مع (الرأي العام) إن لجنته تعمل وفق التكليف الموكل لها في التحقيق مع الرجل، وإن التحقيق يسير وفق التخطيط المرسوم، لكنه رفض الإفصاح عن ما توصلت إليه التحقيقات، وتوقع أن ترفع اللجنة تقريرها الختامي لرئيس الحركة في العشرين من أبريل المقبل

وكان نائب رئيس البرلمان اتيم قرنق قد ذكر لـ(الشرق الأوسط) إن تكوين اللجنة جاء لتمحيص شائعات يتداولها الجنوبيون عن (الجبهة الجنوبية الحديثة) التي يدعمها ويمولها، وان التحقيق (سينظر في ما أشيع هل هو حقيقة أم دسائس لإحداث شرخ بين قيادات الحركة)، وكشف للصحيفة اللندنية عن منع الجبهة الجنوبية الحديثة لنشاط الحركة الشعبية في منطقة أعالي النيل التي ينحدر منها الدكتور أكول وبصورة مستمرة، بين دفاع المؤتمر الوطني عنه واتهامات الحركة الشعبية له تكاد الأرض تميد تحت الرجل، لكن خبراته وقدرته على المناورة جعلته يمسك بالخطوط جميعها إلى الآن ـ على الأقل

في الطرف الآخر من معادلة الصراع يقف الغريم الإفتراضي للدكتور لام أكول، الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم، الرجلان من أبناء الشلك، ولأن الشلك معروفون بأنهم محاربون أشداء، فإن حرباً (إفتراضية) بين الرجلين يتوقع لها أن تكون شديدة الضراوة

على عكس الدكتور أكول فإن الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم بدأ نشاطه (الثوري) منذ أن كان يافعاً في المدرسة حسبما أورد الأستاذ كمال الجزولي المحامي، وأنه كان عضواً بالجبهة الديموقراطية التي هجرها بعد التحاقه بجامعة الخرطوم مع عدد من رفاقه ليلتحقوا بالحركة الشعبية لتحرير السودان، التي ابتعثته لاحقاً إلى كوبا ليكمل فيها دراسته، فحصل على الماجستير في العلوم السياسية، ثم عمل ممثلاً للحركة في الجزيرة الثائرة، وانتخب الشاب باقان في أبريل 1994م سكرتيراً ثقافياً للحركة، ثم نقل قائداً لقواتها في شرق السودان. سياسياً تم تسميته أميناً عاماً للتجمع للحركة الشعبية، ثم أميناً عاماً للحركة الشعبية

كان باقان من الرفاق الخلص المقربين للراحل قرنق لمواقفه الثورية وصراحته المفرطة وانفعاله بالقضية، لم يخرج باقان عن الحركة كما فعله ابن الشلك الآخر، ولم يقاتلها، وظل وفياً لها ولقائده الراحل قرنق، لكن رحيل قرنق هزه هزة قوية خشى عليه المشفقون منها، ولأن الرجل كان محسوباً على المعسكر المؤمن بفكرة قرنق في السودان الجديد، فإن التقارير تقول إن تقريب سلفا (لبونا ملوال، ولام أكول، الإنفصاليين) ترك أثراً سالباً على أموم جعله يرفض تولي أي منصب تنفيذي في الشمال والجنوب

الرجلان من (فرسان) الشلك، ولكل منهما تأثيره وثقله الذي لا يمكن للحركة الشعبية تجاهله، فدكتور لام ذو ثقل عشائري في القبيلة المحاربة لا يمكن تجاهله، وهو أحد دهاة القبيلة، فيما يعد باقان أحد أخلص رجالها في الحركة الشعبية، وأقربهم لقائدها الراحل، وبحكم هذا القرب فإن الرجل على دراية بمعظم إن لم يكن كل الملفات (الخطيرة والمثيرة)، ولهذا السبب وحده لا يمكن للحركة الإستغناء عنه، فإذا أضفنا له ثقله التنظيمي ودوره في صناعة (الحركة) فإنه سيكون رقماً صعباً لا يمكن وضع (صفر) مكانه

أهو التنافس على قيادة القبيلة ما يجعل أعين الرجلين تشتعل غضباً حين تلتقيان؟ أم أنه الصراع على النفوذ داخل الحركة الشعبية ما يجعل مجالس المدينة والحركة الشعبية تهمس بتوتر العلاقة بين الرجلين؟

مواقف الرجلين المعلنة تجاه بعضهما بدت على ما يرام، حين سألت ?الرأي العام? أموم ذات مرة عن صعود لام أكول أجاب: (باقان أموم خرج للنضال ولم يكن لام أكول في الادغال وهو لم يذهب لأحراش الجنوب ليزيح لام أكول)، وأضاف لقد كنت سابقاً له بعدد من السنوات، وعندما انضم للحركة ايدت تصعيده، وعندما صُعدت لقيادة الحركة لم يكن لام أكول عضواً فيها، هذه محاولة لإشاعة سياسة فرق تسد، فنحن نكمل أدوار بعض ولا نتناقض، أما الدكتور الوزير فهو في الغالب يستعين على (حوائجه بالكتمان)، لم تسمع عنه كلمة في حق باقان بالسلب أو الإيجاب

الرؤية غائمة، بسبب رعود لجان التحقيق، فأكول ينتظر نتيجة تحقيق حول مخالفات تنظيمية وإدارية، فيما ينتظر باقان نتيجة تحقيق حول مبلغ الستين مليون دولار الشهير

Please login to comment
  • No comments found