kiir macharمنذ أن إندلع القتال في شهر ديسمبر الماضي و انا مصاب بالذهول من هول ما حدث، عاجز تماماً عن التعليق عما جري-و ولم يزل - في ارجاء كثيرة من هذا الوطن المكلوم . فلا يدري المرء في مثل هذا الأجواء الحزينة من أين يبدأ و من أين ينتهي و ماذا يقول و من يلوم .و لكن لابد من قول شيئ و إن كان صادماً. فالدماء الكثيرة التي سفكت في جوبا و بور و ملكال و بانتيو و ميوم و غيرها و تلك التي ستسفك في أماكن أخري لاتزال في رحم الغيب لايمكن وصف اسبابها الا بجنون التعطش الي السلطة و إن كان الوصول الي تلك السلطة يستدعي القتل و الجلوس فوق الجماجم كما يبدو من إسلوب الذين يصطرعون الأن!! و الا فما معني كل هذا الاقتتال المجاني بين ابناء وطن نال لتوه إستقلاله بعد ان بذل في سبيل حريته الغالي و النفيس؟ و لماذا يؤمن بعض قادتنا الي درجة الهوس بالخرافات انهم وحدهم الاجدر بالحكم دون غيرهم من البشر؟

لقد كتبت كثيراً من قبل و كتب غيري في الصحف و الاسافير عن المستقبل المظلم الذي ينتظر دولتنا الوليدة ، و حذرنا مراراً من مألات الاستقطاب السياسي داخل الحزب الحاكم . و كيف ان التكتلات القبلية داخل الحركة الشعبية و الجيش يمكن ان تقود الي حرب سرعان ما ستتحول الي حرب إثنية يصعب إخماد نيرانها و هذا ما يحدث الأن للاسف .

صحيح أن الصراع الحالي بدأ سياسياً صرفاً كنتيجة للخلاف الذي نشب داخل المكتب السياسي للحركة الشعبية و هو خلاف قديم علي اي حال من الاحوال عندما بدأت تطفو علي السطح طموحات الدكتور رياك مشار الرئاسية . و تفجر إثر إقالته من منصبه كنائب للرئيس و ما تلا ذلك من خروجه من إجتماعات المكتب السياسي و أعلانه الترشح لمنصب الرئيس في إنتخابات العام القادم، وهي قصة معروفة للقاصي و الداني . و انا هنا لا يعنيني في كلمتي هذه الرجوع الي كواليس ذلك الخلاف ولكن ما يعنيني هو أن ما حول القتال الحالي الذي تقول السلطات الرسمية إنه نجم عن محاولة إنقلابية الي قتال بين الدينكا و النوير هي البنية القبلية داخل الحزب و الجيش و القائم علي جدلية الدينكا و النوير .

علي مدار سنوات طويلة ترسخ في أذهان بعض ابناء الاثنيتين أنه كلما كان راس الدولة من الدينكا فإن نائبه يكون الياً من النوير و يتم توزيع باقي الكيكة علي البقية. هذا ما يفسر غضب قطاع عريض من أبناء النوير عند إقالة مشار من منصبه و خروجهم معه لاحقاً.

و لكن المؤسي حقاً هو إستغلال مشار لهذه الجدلية المشوهة في قتاله ضد السلطة ، وإن كان أمراً متوقعاً الإ انه لم يعتقد أحد أن الامور يمكن ان تصل الي هذه الدرجة من الوحشية. فقد قام ابناء النوير بتصفية ابناء الدينكا و قام ابناء الدينكا بالرد بالمثل مستخدمين " ما زول ارجل من زول " وقاموا بدورهم بتصفية ابناء النوير اينما وجدوهم ؟ حدث هذا في جوبا قبل ان تتدارك السلطات الموقف و تبسط سيطرتها و لا يزال يحدث في مناطق القتال و ما حادثة الهجوم علي معسكر الامم المتحدة ببور ببعيد عن الأذهان. إننا نعيش حرب إثنية بإمتياز رغم محاولات الدولة إنكار الامر . في مدينة ملكال و القري المحيطة بها إستهدفت مليشيات النوير التي يقودها مشار نساء و اطفال و رجال من كل الاعمار من قبيلة الشلك و قتلتهم بحجة إنهم موالون للدينكا ، لاحظ للدينكا و ليس للحكومة و ابقت علي ابناء جلدتها . لقد كانت مجزرة إنسانية بحق. و في الاسبوع الماضي عندما دخلت تلك المليشيات مدينة بانتيو قتلت المئات من التجار السودانيين المنحدرين من اقليم دارفور كانوا يحتمون بمسجد بحجة انهم موالون لقوات الجبهة الثورية التي يزعم مشار إنها تقاتل بجانب القوات الحكومية. كما قتلت مدنيين علي اساس عرقي في معسكر تابع لمنظمة الزراعة و الاغذية التابعة للامم المتحدة.

إن أصدق وصف لما نحن فيه الان قال به الشاعر المصري الراحل أمل دنقل رغم أنه كان يصف حادثاً اخر وقع سنة 1970 في معسكر الوحدات ... قال دنقل:
قلت لكم في السنة البعيدة
عن خطر الجندي
عن قلبه الأعمى، وعن همته القعيدة
يحرس من يمنحه راتبه الشهري
وزيه الرسمي
ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء
والقعقعة الشديدة
لكنه.. إن يحن الموت..
فداء الوطن المقهور والعقيدة:
فر من الميدان
وحاصر السلطان
واغتصب الكرسي
وأعلن "الثورة" في المذياع والجريدة!

لقد كادت الدولة ان تفقد البوصلة. فما تم تدميره من بنية تحتية في مدن ملكال وبور و بانتيو خلال الاربع اشهر الاخيرة التي هي عمر الصراع حتي اليوم لا يمكن ترميمها خلال خمسة او حتي عشرة سنوات و هي بنية تحتية متهالكة بأي حال من الأحوال و لا تزال تنهض من كبوة حرب التحرير. هذا علاوة علي الارواح التي ازهقت سمبلة و الاطفال الذين يتموا و النساء اللواتي رملن ، إنه جرح غائر في جسد الوطن لن يندمل بسهولة ما يتم تشخيص اسبابه بكل شفافية ويقبل الذين غرسوا سهم القبلية المسموم في جسدنا بجريرتهم. ولا يظنن أحد ابداً أن تلك الدماء البريئة يمكن أن تذهب هدراً هكذا بمجرد التوصل الي تسوية سياسية في قاعات التفاوض المكيفة في أديس ابابا أو حتي بالتوصل الي تسوية عسكرية في ساحات القتال. فالمدارس و المستشفيات و المنازل و المرافق و الطرق و الكباري يمكن إعادة ترميمها . كما أن السيارات و الثلاجات و الممتكات المنهوبة و غيرها من متاع الدنيا يمكن أن تبتاع مرة اخري و ربما أمكن الحصول علي أجود من تلك التي سرقت. و لكن الروح التي صعدت لن تعود و الدم الذي سال لن يعود و سيزل صارخاً في وجه المجرم طالباً العدالة .

ما نوع نموذج الحكم الذي يريد رياك مشار و تعبان و من لف لفهم من المجموعة التي تقاتل الحكومة الأن ان يقدموه للشعب حتي يراق كل هذه الدماء . و بماذا يمتاز هذا النموذج عن الحكم الحالي و هم الذين كانوا جزءاً أصيلاً منه طوال عقود ولم نسمع منهم نقداً لسياسات الحكومة و لا حتي تعليقاً علي أحاديث فساد كبار رجالات الدولة التي ملأت مجالس المدينة الا بعد ان تم إقالتهم من مناصبهم.

سوف لن ننسي ابدأ نحن ابناء هذا البلد و غيرنا من الحادبين علي مصلحته اولئك الذين قاموا بارتكاب كل هذه الفظائع المروعة التي فاقت وحشيتها و فظاعتها حروب سيراليون و ليبريا و انغولا و موزمبيق في تسعينيات القرن الماضي .يوما ما طال الزمان ام قصر ستطالهم يد العدالة جميعاً.فنحن لا نعيش في العصور الوسطي أو في جزيرة معزولة يعمل فيه القوي قانونه علي الضعيف.

كيمي جيمس

Comments (0)

There are no comments posted here yet

Leave your comments

  1. Posting comment as a guest.
Attachments (0 / 3)
Share Your Location
Type the text presented in the image below