تحت رحمة الهجير ، وعلي حواف الحياة تتراص مساكنهم المصنوعة من أثمال خيام بالية ، ومشمعات فعل الزمن بها فعلته ، وجوالات خيش!، تحت شمس الخرطوم الحارقة يتجمعون ، من كل صوب أتوا يحملون هموم رحلتهم الشاقة نحو وطنهم الجديد .. وجهتهم كانت هذا المكان : محطة القطارات بمدينة الشجرة جنوب الخرطوم.

مابين 1500 - 1750 أسرة (تقريباً)  هم عدد السكان المقيمين بهذا المكان القريب من قلب الخرطوم والبعيد عن أعين مسئوليها.تجمعوا من شتي أنحاء السودان في انتظار قطارٍ لا أحد يعرف ميقات مجيئه.!
سانتينو قرنق ، شاب في مقتبل العمر ، انطفأ في عينيه بريق الامل، يخاطبني بحزن عميق ، ومن بين دموعه المنهمرة يقول لي : الأوضاع هنا صعبة ، عبارته كانت كافية لوصف هذا المكان ، لكني ألححتُ عليه بأن يحدثني أكثر ، يقول سانتينو بلغته العربية المبينة : جئت أنا وأسرتي إلي هذا المكان منذ ديسمبر من العام 2010م ، ولكن هنالك أسر حضرت إلي هنا في يناير وفبراير وحتي مارس وأبريل من هذا العام ، ومنذ ذلك الحين ونحنُ في انتظار القطار.نعيش هنا أوضاعاً قاسية، لك ان تتصور ان تجبر علي العيش في مكان تنعدم فيه كل مقومات الحياة، نعيش هنا بلا ماء ولا طعام ولا عمل. لا يوجد أحد في هذا المكان يملك شيئاً يقيه شر الجوع أو الهجير. لم يقدم لنا أحد مساعدات تعنيننا علي قسوة العيش هنا. الهلال الأحمر يجلب لنا الماء.وقد اقام خيمة علاجية منذ ثلاثة أشهر تقريباً. عدا ذلك لا شئ يذكر. لم يزورنا مسئول قط لا من الشمال ولا من الجنوب. في هذا المكان تنتشر الامراض بصورة مثيرة للقلق. تنتشر الملاريا ، والإلتهابات بأنواعها ، وهنالك اشخاص مصابون بالتيبي (السل) ، ولا يوجد علاج ، منذ يومين فقط جاء اطباء لهذا المعسكر ولكن بعد ان انتشرت الوبائيات. اليونسيف ايضاً قدمت بعض المساعات الطبية للأطفال ، وفي ظل انتشار الأمراض اضطرت لأن تقدم مساعدات طبية للكبار أيضاً. لك ان تتصور اننا نعيش هنا لأكثر من 11 شهراً ولا يوجد في هذا المكان مرحاض واحد، نستعين ببعض الأسر المجاورة للمعسكر ، ونستعين ببعض اسر العاملين بالسكة حديد ما خلا ذلك فلنا المعاناة التي لا يمكن أن يتخيلها بشر. كل سكان هذا المعسكر لا يعملون ، كان منهم الموظف ، والعامل ، والشرطي ورجل الجيش لكن جميعهم تم فصلهم من الخدمة عقب اعلان الانفصال.يقول سانتينو: انا ولدت هنا في الشمال ودرست هنا واحمل في دواخلي مشاعر طيبة تجاه اهلي في الشمال ، لكن هذه التجربة المريرة من شأنها ان تمحو الكثير.
نحن لا نملك الكثير من المتاع ، ولكن كل ما نملكه اهترأ بفعل الهجير والشمس الحارقة، أصبحنا بين ليلة وضحاها معدمين.
يقول سانتينو ان جميع سكان هذا المعسكر أتوا من مناطق مختلفة داخل وخارج الخرطوم ، فمنهم من أتي  من شندي، ومن كسلا ، ومن الدندر، ومن القضارف ، ومن مدني وسنار هذا بالإضافة إلي مناطق الخرطوم المختلفة كالكلاكلات والأندلس وامدرمان. وهم جميعهم في انتظار العودة إلي ولاية بحر الغزال - أويل، مع وجود عدد قليل  لاينتمون إلي ولاية بحر الغزال.
بوب ، هو الآخر من سكان هذا المعسكر قصدت راكوبته الصغيرة ،المبنية من جولات خيش فارغة وفروع الأشجار، وجدته متدثراً همومه وأوجاع البقاء في هذا المكان المعزول. تردد في الحديث إلي وأشاح وجهه عني عدة مرات ، لكني كنت مُلحاً وكذا أصدقاء بوب ، حثوه علي الحديث ، قالوا له بامكان الصحافة ان تساعدنا في التعجيل بمفارقة هذا المكان ، لكنه روي لي ولهم قصة الرجل الذي أتي هنا ،قبل عدة ايام، وسألهم عن أوضاعهم ثم أتت بعده (كشة) البوليس، بوب مصاب برعب الكشات فيما يبدو من حديثه ، أول كلماته كانت شكواه ضد كشات البوليس المتواصلة. سألته عن أحواله وكيف يحيا في هذا المكان؟ فقال لي: ( أنا مجبور أقعد في مكان دا ، عشان منتظر قطر يجي يودينا بلدنا) ، حدثني بحزن عميق عن الكشات ومعاناته الشخصية معها ، قال لي : ( البوليس بجي هنا مرتين في يوم واحد ) دورية صباحية ودورية مسائية وكل يوم يتم إلقاء القبض علي عشرات الشباب والشابات بدعوي تدخين الشيشة! ، سالته هل توجد هنا محال تجارية للشيشة فرد بالنفي ، وقال : لكن بعض الشباب يمتلكون الشيشة في بيوتهم ، ولأنه لا توجد بيوت هنا فالكشة تأخذ الجميع !!. يقول بوب : الناس هنا يتعرضون يومياً للإهانة ، نحن نريد ان نغادر هذا المكان إلي مكان نجد فيه الإحترام ولكننا لا نملك حتي ثمن الرغيف فكيف لنا أن نستطيع الرحيل إلي الجنوب أو أي  مكان آخر. سألت بوب عن الجهات التي قدمت أو تقدم لهم أي نوع من المساعدات فرد : ( مـافي)!.
كرستوفر ، الصديق الآخر لبوب ، ألتقيتهم في نفس المكان ، قال لي توجد الكثير من المآسي الإنسانية هنا ، روي كرستوفر انه قبل عدة أسابيع توفي أحد سكان المعسكر فذهبنا لندفنه بمقابر حسن الخاتمة القريبة من منطقة مايو ، كانت هي الاقرب والتي يعرفها بعضنا ، هناك تفاجئنا بان اللجنة المسئولة رفضت السماح لنا بالدفن ! كدنا ان نترك الجنازة في العراء ونذهب ، ولكن بعد مشادات كلامية حادة وتدخلات من أطراف عديدة بينها مواطنون شماليون سمحوا لنا بالدفن!.. من جانبها حاولت (الأيام) الإتصال بلجنة مقابر حسن الخاتمة لتأكيد الحادثة ولكن لم يتثني لنا الحصول علي مقابلة مع اللجنة المسئولة.
بول ، في السادسة عشر من عمره ، حدثني عن همومه وهموم أنداده ، يقول بول : جئت إلي هذا المعسكر منذ 6 أشهر ، وما زلت في انتظار القطار، كنت أدرس بمدارس كمبوني، ولكن للاسف حالياً تركت الدراسة. لا أستطيع الذهاب إلي المدرسة لأن والدي فصل عن العمل ولا أستطيع توفير  مصاريف الدراسة والمواصلات والنفقات اليومية. عدد كبير من اصاقائي هنا تركوا دراستهم وتفرغوا للإنتظار!، نحاول ترتيب أوضاعنا عسي ولعل ان نلتحق بالعام الدراسي ، مستقلبنا يتبدد ونحن ما بين بلدين وهموم كثيرة.
الناس هنا لايجدون ما يعينهم علي قساوة الحياة ، ويعيشون في ظروف بالغة التعقيد ، معسكر بكامله واكثر من 1500 أسرة تتواجد في هذا المكان بلا مأوي ولا سبل عيش ، وحتي يلا مراحيض ، فكلم أن تتخيلوا حجم المأساة!.
سألتُ الأستاذ خالد عبدالقادر ممثل مفوضية العمل الطوعي عن عملهم فيما يتعلق بهذا المعسكر، فقال بدانا اليوم (12 اكتوبر) تسجيل جميع الموجود بهذا المعسكر بغية ترحيلهم إلي الجنوب عن طريق القطارات.وأضاف: لم نفرغ بعد من التسجيل ولكن نعمل بصروة حثيثة للفراغ من التسجيل ومن ثم الترحيل. ويقول من المعوقات التي تواجه عملهم هي الأعداد الكبيرة من الناس الموجودين بالمعسكر ، يضيف خالد هذا العدد أكبر من طاقتنا. هذا بالإضافة إلي انتشار العديد من الأمراض والأوبئة وسط المقيمين بهذا المعسكر. يقول خالد : هنالك حالات درن (سل) تنتشر وسط المقيمين هنا. وهنالك عدد من الأفراد لابد من حجزهم للعلاج قبل الترحيل ، وهنالك حوامل لابد ان تتم معاملتهن بصورة خاصة.
يقول خالد ان آخر يوم لترحيل جميع الموجودين بهذا المعسكر إلي الجنوب هو يوم 31 ديسمبر 2011 بحسب خطة مفوضية العمل الطوعي والإنساني. ويضيف: بحسب الخطة ايضاً هنالك 8 قطارات ستسافر محملة بالعائدين إلي الجنوب ، وخطتنا ان نقوم بترحيل 12,761 فرد ، وقال خالد ان الموجودين بهذا المعسكر يقدروا بحوالي 3 آلاف فرد بحسب احصاءات أولية.
تتسع رقعة المأساة .. الحاج يوسف الشقلة ، ساحة أخري من ساحات انتظار القطار والتشبث بالأمل. في ميدان وسط الحي يتجمع العالقون ، هنا ايضاً تنعدم مقومات الحياة . وتضيق فرص العيش.
منذ أكثر من 11 شهراً يعيش موسس لوال مدوت في هذا المكان .. ويصف الوضع بانه صعب للغاية. يقول موسس عشت عمري كله في الشمال وحالياً انا في انتظار العودة لوطني الجديد ، سأعود بلا أي شئ ولا أي ممتكات لأن : (العفش حقنا كلو الشمس أكلو ) ، جميع حاجياته إهترأت بفعل الهجير .. هي 11 شهر قاسية. يقول موسس  عشنا معظم فصول السنة في هذا الميدان/ المعسكر . أمطرت ونحن هنا ، وجاء الصيف ونحن هنا ، عشنا في هذا العراء تحت المطر وتحت حر الشمس. أطفالنا يعانون ، وقد تم توقيفنا من العمل ، ولا نجد ما يعنينا علي قسوة الحياة. تصعب علينا المعيشة. نستلف الماء من الجيران بالاحياء ، ونستخدم مراحيضهم بعض الأحيان ولكنا نستحي في مرات كثيرة. أحس بالضيق  لأننا نضايق الجيران الذين يعاملونا بإحترام وشفقة، يقول موسس. ويضيف : هذا المكان لو استمر بقاءنا فيه سيكون مرتع للأمراض ، وحالياً يوجد الكثير من المرضي وتنتشر الوبائيات خاصة وسط الأطفال.
اتصلت بالاستاذ صلاح كشول المتحدث باسم منظمة الهجرة الدولية لطلب بعض الايضاحات حول أمر الجنوبيين العالقين بالشمال ولكن هاتفه لايستجيب.
هي معاناة إنسانية بكل المقاييس ،معاناة الجنونبيين العالقين بالشمال ، نعكسها هنا فهل من مجيب؟

Abdelgadir Mohammed [This email address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it.]
Please login to comment

People in this conversation

  • Guest - د.اشرف م ا

    انه لشئ مؤسف جدا ولكن لااظن ان حكومه الشمال
    ستقدم العون نكايه في الحركه الشعبيه ولن تهتم
    حكومه الجنوب و التي هي الحركه الشعبيه وذلك
    لاهتمامها بغايات اخرى فيها الحق و فيها الباطل
    يبقي الجنوبيون قبل الانفصال و بعده سودانيون
    رغم حقيقه الانفصال فان اواصر القربي والدم لن
    تنفصل اما العالقون بالشجره فعليكم الرجوع الي
    اماكنكم التي جئتم منها شندي الجزيره او سنار
    فلن تكون اسوء من الشجره اصبرو حتي يقضي الله
    امرا كان مفعولا.

    0 Like
  • Guest - كاميلو وليم

    :angry-red: ارسلو الشاحنات

    0 Like