obama-osamaأين يمكن أن يكون أسامة بن لادن على الأرض.. هل هو في باكستان أم في أفغانستان، أم في الجبال الواقعة بينهما، أم أنه هرب إلى دولة ثالثة كإيران مثلا التي كان قد أرسل إليها عددا من أفراد أسرته قبل عامين. كان هذا السؤال معلقا من دون إجابة أمام كبار رجال الاستخبارات والجيش الأميركي، بعد أن مرت قرابة العشر سنوات على المحاولات الفاشلة لاقتناص زعيم تنظيم القاعدة المدرج على قائمة لائحة أكثر الأشخاص المطلوبين لأميركا.

ومنذ تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) وضرب تنظيم القاعدة لبرجي التجارة في نيويورك عام 2001، اعتقلت الولايات المتحدة، بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات حول العالم، عشرات من العناصر المشتبه في ضلوعها في تلك التفجيرات أو في التنظيم الذي نفذ العديد من العمليات الإرهابية في بلدان غربية عربية.

وجرت تحقيقات مضنية لاستنطاق عدد من نزلاء غوانتانامو، أو التعرف من خلالهم على أي خيوط تقود إلى موقع بن لادن الذي يقول ثلاثة ممن عملوا معه في ثمانينات القرن الماضي في أفغانستان، إنه كتوم ويتبع إجراءات أمنية معقدة في تحركاته وإقامته، لدرجة أنه كان يستخدم الخيول والحمير في التنقل على الجبهة التي فتحها «المجاهدون العرب والأفغان» ضد الوجود السوفياتي في أفغانستان في ذلك الوقت.

ومن بين المعلومات التي تمكن المحققون الأميركيون من الحصول عليها من رؤوس بعض نزلاء غوانتانامو في الأعوام الخمسة الماضية، أن بن لادن موجود إما في جنوب باكستان أو شمال باكستان، وأن الاحتمال الأضعف أن يكون قد انتقل إلى أي من أفغانستان أو إيران، لكن تقارير «ويكيليكس» المسربة تحدثت عن تلك الفترة بقولها إن المحققين الأميركيين، وكذا الاستخبارات الأميركية كانت تشعر أن المتهمين بالانتماء للقاعدة يعطونهم معلومات مضللة، وكاذبة.

وشتتت هذه المعلومات الاستخبارات الأميركية أكثر من إفادتها، لكن التقارير تقول إنه بتتبع الاحتمالين أمكن التوصل إلى ترجيح الاحتمال الذي يقول إن بن لادن موجود في شمال أفغانستان، وهي منطقة واسعة يصعب البحث بها خاصة أنها منطقة تعج بالخلافات بين القبائل والحكومة، لأن الاعتقاد السائد حينذاك كان يقول إن بن لادن مختبئ لدى القبائل قرب الحدود مع أفغانستان، ولم يكن من المنطقي التفكير في أن مقر إقامته يقع على بعد نحو ساعة بالسيارة شمال العاصمة إسلام آباد.

ومع ذلك كانت هناك خيوط ثابتة لكنها سريعا ما تنتهي إلى لا شيء بخصوص وجهة بن لادن، وبعد أن كان هناك أمل في القبض عليه أو قتله في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، عادت التكهنات بأنه قد يكون من الصعب الوصول إلى الرجل الذي سبق وتجول بين العديد من الدول، كالسودان واليمن، بعد انتهاء فترة الجهاد في أفغانستان.

وكان يمكن قنص بن لادن أثناء هروبه من جبال تورا بورا عقب غزو الولايات المتحدة لأفغانستان، لكن بن لادن، وبحسه الأمني، حسب من تعاملوا معه، استعان برجل حرب باكستاني للاختباء بعيدا عن الضربات الأميركية التي استمرت منذ أواخر عام 2001 حتى يومنا هذا. وظلت الإدارة في البيت الأبيض والمخابرات الأميركية تتعرض لضغوط من الرأي العام الأميركي بسبب عدم قدرتها على الوصول للرجل الذي يلهم شبانا في أماكن مختلفة من العالم للقيام بعمليات قتل أو خطف أو تفجير. وزاد هذا الضغط بعد أن ظهر أتباع لبن لادن في السنوات الأخيرة ينفذون عمليات قاتلة في أوروبا وباكستان والعراق واليمن والمغرب العربي وغيرها.

ولم تكن الولايات المتحدة الأميركية وحدها من تسعى للقبض على بن لادن، بل كان العديد من الدول الغربية تبحث عن الأمر نفسه. ومنذ عدة سنوات، خاصة بعد الهجمات المميتة لتنظيم القاعدة في المغرب العربي، بدأت القوات الخاصة الفرنسية إجراء تدريبات في جيبوتي التي تضم أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في الخارج من أجل هذا الأمر.. وفي ذلك الوقت أعلن رئيس أركان القوات الفرنسية المتمركزة حينها أن جيبوتي تشبه أفغانستان وتوفر فرصة خاصة واستثنائية للتدريب، وذلك في الأيام التي كان يسود فيها اعتقاد بأن بن لادن ما زال في أفغانستان.

يأتي هذا على خلفية المحاولات التي بدأتها أميركا للقبض على بن لادن والتي بدأت منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2001، أي قبل يوم من إطلاق الهجمات الجوية الأولى على أهداف في أفغانستان، حين أمهل الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش حركة طالبان فرصة أخيرة لتسليم بن لادن. وأكدت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) حينها أن وحدة أميركية صغيرة توجد بالفعل في أفغانستان بحثا عنه. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام رفعت أميركا مكافأة القبض على بن لادن من 20 إلى 25 مليون دولار، وفي الشهر التالي تم إرسال قوات أميركية خاصة للبحث عن بن لادن في جبال تورا بورا، وسرعان ما وسعت القوات نطاق بحثها إلى باكستان المجاورة. وفي مارس (آذار) عام 2002 شن الجيش الأميركي هجوما كبيرا على منطقة جبال بالقرب من مدينة جارديس شرقي أفغانستان، حيث كان يعتقد أن أعضاء بارزين في «القاعدة» يختبئون في الكهوف هناك.

وبعد أن قال الرئيس الباكستاني السابق، برفيز مشرف، في عام 2004 إن محاولات تعقب بن لادن أصابها الفتور، عادت صحيفة «واشنطن بوست» لتقول في عام 2006 إن فرقة مظلات خاصة لم تتلق أي معلومة موثوق بها بشأن موقع بن لادن على مدار العامين السابقين. وتشتبه المخابرات السرية في وجوده في المنطقة القبلية الشمالية بطول الحدود الأفغانية - الباكستانية، مما حدا بمجلس الشيوخ الأميركي في 2007 لمضاعف مكافأة القبض على بن لادن إلى 50 مليون دولار.

كما سبق لفرنسا القول على لسان وزارة الدفاع إن القوات الخاصة الفرنسية المنتشرة في أفغانستان منذ صيف 2003 تواصل البحث عن بن لادن انطلاقا من قاعدتها في سبين بولداك قرب قندهار، وإن بن لادن من الأهداف التي يتم البحث عنها، وإن معلومات سمحت بتحديد موقعه بشكل تقريبي لكن لم يتم اعتقاله، وإن المهمة مستمرة، لكن مرت نحو ست سنوات على هذه الجهود والمحاولات دون أن تسفر عن شيء، لدرجة أن وسائل الإعلام الغربية بدأت تتساءل عما إذا كانت التكنولوجيا، لا الجيوش وحدها، هي التي ستكون قادرة على «اصطياد» بن لادن.

ومنذ عام 2004 ازدادت مطاردة بن لادن سخونة، بسبب قرب إعادة ترشح الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش للانتخابات، وتم تجييش رجال الأمن والاستخبارات المدنية والعسكرية. وفي أميركا كان رئيس المخابرات يلتقي بشكل متكرر مع كبار قادة الجيش والمسؤولين في الإدارة لهذا الغرض، وتم إرسال قوة قوامها 121 رجلا بقيادة الضابط الموصوف بالمقدام، إتش ماكريفين، الذي سبق لفرقته اعتقال الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

واستعانت هذه الفرقة المعروفة بتنفيذ «العمليات السرية السوداء»، والتي تعد أكثر التشكيلات المتجانسة في وكالة الاستخبارات الأميركية، بالقوات الخاصة والقوات الجوية، وبأحدث التقنيات العصرية في مجال الاستخبارات المدنية والعسكرية وقوات الكوماندوز، والمراقبة بالأقمار الصناعية. ونسب لهذه الفرقة عالية التدريب نجاحها في تحديد موقع بن لادن، إلا إن التقارير ذكرت بعد ذلك أن زعيم «القاعدة» تمكن من الهرب قبل فترة وجيزة من مداهمة القوات الباكستانية للمكان الذي يوجد به مع مجموعة من أتباعه في ذلك الوقت.

ومثل هذا خيبة أمل لدى الغرب. لكن ظل الضغط مستمرا على الدول الغربية وخاصة أميركا من أجل التخلص من خطر بن لادن، بعد تفجيرات في مدريد ولندن وغيرها. وتزامن مع ذلك توسع المحققين الأميركيين في جمع المعلومات من كل أجزاء الأرض وبالتعاون مع العديد من أجهزة الاستخبارات بما في ذلك سن التشريعات التي تراقب تحركات الأموال والأشخاص المشتبه بهم، ولم يخطر ببال أحد أن الخيط الذي يمكن أن يؤدي إلى زعيم تنظيم القاعدة سيأتي من طريق آخر بعيدا عن هذه الإجراءات.. حيث تم التوصل قبل سنوات قليلة إلى رجل دارت حوله الشبهات، هو الذي قاد المحققين وراءه، دون أن يدري، إلى معقل بن لادن، مما أدى لمقتله ومقتل زعيمه.

هذا الرجل الذي تعقبه عملاء الاستخبارات الأميركية كان مرسالا (ساعيا) محل ثقة بن لادن في احتفاظه بالاتصالات مع العالم الخارجي. وبالتزامن مع أولى خطوات البحث عن مرسال بن لادن وتحديد هويته ومحل إقامته، وضع المحللون الذين كانوا يساعدون فريق التحقيق المكلف بالوصول لبن لادن، تصورا لما يمكن أن يكون عليه مخبأه.

وكان الجيش الأميركي والاستخبارات تطارد شبح بن لادن في باكستان وأفغانستان، منذ هجمات سبتمبر (أيلول) عام 2001، واقتربت هذه القوات ذات مرة لكنها افتقدت أثره في معركة ضارية بجبال تورا بورا الواقعة شرق أفغانستان، لكن التقدم الحقيقي جاء عندما تعرف الأميركيون، في النهاية على اسم وموقع مرسال بن لادن، الذي قال عنه معتقلون في سجن غوانتانامو، إنه «ربيب» خالد شيخ محمد، الذي اعترف من قبل بأنه العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.

ولم يكشف الجانب الأميركي حتى أمس عن اسم المرسال الذي جرى تتبعه حتى وصل بهم إلى معقل بن لادن، لكن، ووفقا لتقارير جرى تسريبها أخيرا فإن «ربيب» خالد شيخ محمد، المعروف حتى الآن، كان مسجونا في غوانتانامو، وجرى الإفراج عنه وإعادته إلى بلاده الجزائر، ويدعى أبو عادل الجزائري. ولا تتوافر المعلومات عما إذا كان هذا المرسال وحامل البريد، بين بن لادن والعالم الخارجي، قد عاد لخدمة زعيم تنظيم القاعدة، أم أنه ما زال مستقرا في الجزائر، وأن بن لادن استعان بمرسال آخر. على أي حال حين وصلت معلومات عن مرسال بن لادن الذي قتل معه في عملية الليلة قبل الماضية، إلى رجال الاستخبارات الأميركية بدأوا في البحث عنه، وعن أوصافه وأين يعيش، لكن هذا كان في البداية أشبه بالبحث عن إبرة في كومة من القش. وقبل أربع سنوات تمكنت أجهزة الاستخبارات من رصد المرسال الشخصي لبن لادن ليحدث الانفراج الذي طال انتظاره، حسب ما صرح به مسؤول أميركي بارز للصحافيين، قائلا إن أشخاصا مشتبه بضلوعهم في الإرهاب قالوا أثناء التحقيق معهم إن «هذا الرجل هو أحد مراسلي القاعدة القلائل الذين يثق بهم بن لادن»، وإنه ربما يعيش مع بن لادن نفسه ويحميه، إلا إن المحققين الأميركيين لم يتمكنوا طيلة سنتين من التعرف على الاسم الحقيقي للمرسال أو على موقعه.

مسؤولون استخباراتيون أميركيون ذكروا ليلة أول من أمس أنهم تعرفوا في النهاية على الاسم الحقيقي للساعي منذ أربع سنوات، ولكن الأمر استغرق عامين آخرين قبل أن يتعرفوا على المنطقة العامة التي كان يشتغل منها، وهو ما يبعد فرضية أن مرسال بن لادن هو الجزائري.. «ربما استعان برجل آخر يثق به»، هكذا يقول أحد الجهاديين ممن عملوا مع بن لادن في السابق.

وفي العامين الأخيرين ذكرت أجهزة الاستخبارات الأميركية أنها حددت مناطق يعمل فيها هذا المرسال وشقيقه، لأول مرة قبل شهر أغسطس (آب) الماضي، لكنها لم تستطع أن تحدد بالضبط مكان إقامته نظرا للإجراءات الأمنية المشددة التي يتخذها وشقيقه، وأن حذرهما الشديد، مثل تغيير وسائل المواصلات وتغيير خط السير من مكان إلى مكان، عزز من اعتقاد المخابرات الأميركية أنها تسير على الطريق الصحيح، وهو ما ثبت أنه صواب حين تم التوصل إلى مقر سكن هذين الشخصين في الشهر نفسه من العام الماضي. كانت هذه لحظة فارقة في طريقة عمل المحققين.. من الإحباط إلى الأمل، ومن التثاقل إلى النشاط في العمل، لسرعة إنجاز المهمة التي طال انتظارها نحو عشر سنوات.

وسارع فريق البحث عن بن لادن بالإمساك بالخيط الذي كان عبارة عن مجمع يقع في إحدى المناطق الفخمة في أبوت أباد يتردد عليها المرسال وشقيقه.. وأحيانا يتنقل المرسال بينها وبين العاصمة إسلام أباد.

وحين كان فريق المحققين والمستطلعين التابعين للمخابرات الأميركية يراقب مدينة أبوت أباد التي تتميز أسقف مبانيها بالألوان الحمراء والبيضاء والزرقاء، والواقعة على بعد نحو 60 كيلومترا شمال غربي العاصمة إسلام أباد، لاحظ أن هذا هو المكان المطلوب. وبدا أن بن لادن وأتباعه لم يلحظوا أنهم أصبحوا تحت أعين الأميركيين.

ويعتقد الشيخ نبيل عبد الرحمن الذي كان يكنى في أفغانستان بلقب «أبو مسعود المصري»، أن السبب وراء تحديد مكان بن لادن وقتله مع عدد ممن كانوا معه هو «الخيانة»، وأضاف أبو مسعود الذي عمل عن قرب مع بن لادن في أواخر ثمانينات القرن الماضي، متحدثا لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن الخيانة جاءت هذه المرة من جانب المخابرات الباكستانية، أو من بعض الباكستانيين الذين وثق بهم بن لادن».

ويشير أبو مسعود إلى أن زعيم تنظيم القاعدة «يصعب الوصول إليه بالسهولة المتخيلة»، مضيفا أن «الأمر فيه علمية بيع.. لقد باعه أحدهم.. ليس من بين المقربين منه، بل من آخرين.. لأنني تعاملت معه عن قرب في أفغانستان، فهو حريص وكتوم ويتبع إجراءات تأمين مشددة ومعقدة، منها التفتيش والتحري.. التفتيش يصل حتى إلى الأطفال الذين يتصادف وجودهم في المكان الموجود فيه بن لادن».

وعن تفسيره لاتخاذ بن لادن لمنزل حصين للإقامة فيه، رغم ما عرف عنه من اختباء في مناطق نائية وبعيدة، واتباعه وسائل للتمويه، قال أبو مسعود: «أعتقد أنه استقر في هذا المجمع السكني بسبب ما أصابه من مرض في السنوات الأخيرة.. حسب معرفتي به ربما قال لنفسه إنه من حقه أن يستقر في مكان ما، طالما ظل هاربا وفي مأمن من ملاحقته»، لكن عناصر مراقبة من فريق التحقيق الأميركي وصلت للمبنى قبل أن يهرب منه بن لادن. ويقول جهاديون آخرون لـ«الشرق الأوسط» تحدثوا شرط عدم تعريفهم إن بن لادن لجأ إلى الاستقرار، وإن هذا الاستقرار يعد أول خطأ يمكن أن يقوم به رجل مثله، لأنه مطلوب من غالبية أجهزة الاستخبارات في العالم، لكن أحد هؤلاء الجهاديين ممن عمل مع بن لادن قرب قبل أن يتخلى عن فكر «القاعدة»، أعرب عن اعتقاده بأن «زعيم التنظيم أمرضته الحروب والحصار المالي والفكري والملاحقة والإحباطات بسبب تغير ظروف العصر.. أعتقد أنه تعب وقرر أن يستسلم لمصيره. أعتقد أنه كان يعلم أنه ما دام قد استقر فإنه سينتهي. مثله لا ينبغي أن يقيموا في مكان واحد لفترة طويلة».

ومن المعروف أن الولايات المتحدة تطارد «القاعدة» وزعيمها أمنيا وسياسيا وعسكريا في مختلف مناطق العالم من خلال تحالف دولي صارم، يشمل أكثر من 80 دولة في العالم، كما قامت الولايات المتحدة بعمليات عسكرية في اليمن وغيرها ومهام سرية اعتقلت خلالها عددا كبيرا من القيادات لتفكيك تنظيم القاعدة والشبكات المرتبطة به، واستراتيجيات مواجهته، لكن هذه هي المرة الأولى التي يمسك فيها الأميركيون بالخيط وحدهم، ويتتبعونه حتى الطرف الأخير.

وقبل عامين، وأثناء متابعتها لما تحصلت عليه من معلومات، لاحظت العناصر الأميركية التي تتتبع مقر بن لادن المحتمل أن مبنى المجمع السكني، الذي يقع فوق تل عال في آبوت أباد، تم بناؤه عام 2005، وكان أكبر من المباني المجاورة بكثير، والتي تقع متدرجة بين سهل تغطية الأشجار والبنايات والطرق والحلقات الدائرية الصاعدة نحو الجبال المرتفعة المحيطة بالمدينة. وللمجمع بوابتان مؤمنتان، ويحيط به 12 جدارا بارتفاع نحو خمسة أمتار ونصف المتر يعلوها سياج شائك.

ويتعرج الطريق الذي تنقل عليه الفريق الأميركي طيلة أكثر من عامين، يمينا ويسارا وسط جبال ووديان وغابات شجرية، بين إسلام آباد وأبوت آباد، حيث يقع على جانبي الطريق العديد من القرى الصغيرة حسب خارطة «غوغل إيرث». وأفادت التقارير الأولية للمحققين الذين كانوا يتناوبون مراقبة المجمع السكني، أن جدرانا داخلية تقسمه إلى أجزاء لتوفير مزيد من التأمين والخصوصية، ناهيك عن الإجراءات الأمنية غير العادية التي كانت تحيط بالمجمع من الخارج.. رجال مسلحون خلف الأسوار وعيون تراقب على مدار الساعة. وكان سكان المجمع قلقون جدا إزاء أمن العقار المختبئين فيه لدرجة أنهم كانوا يحرقون نفاياتهم بدلا من وضعها في أماكن جمع القمامة بالشارع مثل جيرانهم.

وعزز هذا من ثقة المستطلعين الأميركيين التابعين للمخابرات في أنه «المقر المطلوب اقتحامه»، ونقلت «رويترز» عن مسؤول من الإدارة الأميركية قوله إن «الخط الفاصل في تحليلنا هو أننا كنا على ثقة من أن المجمع يعيش فيه هدف إرهابي ذو قيمة عالية.. الخبراء الذين عملوا في هذه القضية لسنوات رأوا أن هناك إمكانية كبيرة بأن الإرهابي المختبئ هناك هو أسامة بن لادن».

ومنذ أغسطس الماضي أمضى محللو وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الأسابيع العديدة التالية في فحص صور الأقمار الصناعية وتقارير استخباراتية من أجل تحديد من يمكن أن يعيش في المجمع، وقال مسؤول بارز في الإدارة الأميركية إنه بحلول شهر سبتمبر الماضي، كانت وكالة الاستخبارات قد حددت أنه كان هناك «احتمال قوي» بأن بن لادن نفسه كان يختبئ هناك. وتلا ذلك شهور إضافية من العمل الاستخباراتي قبل أن يشعر جواسيس أميركيون بثقة عالية من أن بن لادن وأسرته كانوا يختبئون بالفعل هناك.

وحسب روايات لمسؤولين على صلة بفريق التحقيق، فإن المحققين أصيبوا بالدهشة حين شاهدوا هذا المجمع الذي يعيش فيه الشقيقان للمرة الأولى. فلو كان بن لادن هنا في مجمع فخم بهذه المدينة السياحية الجملية، فإن كل التكهنات التي استمرت لسنوات عن احتمال اختبائه في الكهوف الواقعة على الحدود الأفغانية الباكستانية، أصبحت بلا قيمة، إضافة إلى أن آخر المعلومات التي كانت متداولة من داخل باكستان نفسها تذهب إلى أن بن لادن يختبئ في المناطق القبلية الوعرة شمال غربي باكستان، قرب حدود أفغانستان.

وعدم ثقة المحققين الأميركيين في الأطراف الأخرى ربما كان لها ما يبررها، ربما بسبب كثرة «المطبات» التي وقعت فيها المخابرات أثناء بحثها عن بن لادن، ولوحظ من ردود عدد من المسؤولين الباكستانيين أنها «قاطعة» فيما يتعلق باحتمال وجود بن لادن على أراضيها. وخلال شهر سبتمبر 2009، حين سئل وزير الداخلية الباكستاني رحمن مالك عن مكان وجود زعيم تنظيم القاعدة، خلال زيارة قام بها وفد من أعضاء الكونغرس إلى إسلام أباد، رد مالك بأنه لم «يكن لديه أي حل للغز»، ولكنه أضاف بأنه لم يكن يعتقد أن بن لادن كان موجودا في المنطقة. وفي تلك السنة كان بن لادن قد أرسل أسرته إلى إيران.. «لذا كان من المنطقي أن يكون قد ذهب إلى هناك بنفسه»، حسبما أكد مالك الذي أضاف بأنه قد يكون مختبئا في السعودية أو اليمن، أو ربما كان قد قتل بالفعل، بحسب برقية صادرة عن السفارة الأميركية حصل عليها موقع «ويكيليكس».

ومع ذلك كان فريق التحقيق الأميركي يعمل هذه المرة وفقا لما حصل عليه من شواهد من خلال مراقبة المجمع، وأن المعلومات تفيد بأن مرسال بن لادن وشقيق المرسال، لا يعيشان وحدهما هنا بل إن هناك عائلة أخرى تعيش في المجمع الحصين نفسه تتطابق مواصفاتها مع مواصفات عائلة بن لادن بمن فيهم صغرى زوجاته. وتقول «واشنطن بوست» إن المجمع كان يقع أيضا بالقرب من أحد المحاور الأميركية لعمليات مكافحة الإرهاب، وإنه كان «آمنا جدا وكبيرا جدا لدرجة أن المسؤولين الأميركيين تشككوا في أنه كان قد بني لإخفاء شخص أكثر أهمية بكثير من مجرد ساعي بريد».

وحين علمت إدارة أوباما بذلك أصبح التحرك داخل الأراضي الباكستانية بفريق محترف أمرا مغريا، ومشجعا على إنهاء العملية في أسرع وقت مع درجة عالية من الكتمان.. ولا توجد معلومات محددة حول الطريقة التي كان يعمل بها الفريق المكلف بتحديد موقع بن لادن وإعداد خطة قنصه، لكن المنطقة التي يقع بها المجمع السكني لزعيم «القاعدة»، كانت تساعد على ما يبدو على تحرك الأجانب هناك بسبب طبيعتها السياحية، حيث تتميز ببحيرة تتوسط المدينة وعدة فنادق سياحية ورحلات الخلاء وسط الأشجار والمنحدرات.

وبدأ فريق التحقيقات الأميركي يركز وجوده، حسب إفادات المصادر الأميركية، في مدينة أبوت آباد ويعيد ترتيب خطواته وأولوياته وفقا لفرضية مفادها أن أسامة بن لادن يعيش داخل هذا المجمع، على الرغم من غرابة هذه المعلومات، لأن المجمع نفسه يقع بالقرب من الكلية العسكرية التي يتدرب فيها قطاع من الجيش الباكستاني، وهي الدولة الحليف للولايات المتحدة الأميركية وشريكتها في الحرب على الإرهاب بما فيها البحث عن أسامة بن لادن.

وإذا كانت هذه المشكلة تتعلق بفرضية تلاعب عناصر بالمخابرات الباكستانية مع الجانب الأميركي، بشأن التعاون الأمني، إلا إن بعض المشكلات الأخرى كانت ما زالت تواجه المحققين، على رأسها الشكوك المستمرة فيما إذا كان بن لادن هنا أم لا، حيث لم يكن قد ثبت بشكل قاطع الحصول على أي معلومات تؤكد أن بن لادن يتخذ من هذا المجمع الذي تبلغ تكلفته نحو مليون دولار، مخبأ له، بسبب افتقار المبنى لأي وسائل اتصال يمكن مراقبتها أو التنصت عليها قبل تنفيذ عملية الهجوم عليه.

الاقتراب من مركز إقامة أسامة بن لادن كان مثيرا.. هنا يوجد أخطر رجل في العالم. وهنا يمكن أن يحقق رجال الاستخبارات الأميركية المجد.. وتحت ظلال أشجار أبوت آباد يمكن تدخين سيجارة والتفكير في الترقية والظهور في وقت ما في المستقبل على شاشات التلفزيون لرواية هذا «الحدث التاريخي» الذي طرب له الأميركيون وخصوم فكر بن لادن وهم كثر في مشارق الأرض ومغاربها.

وحسب المسؤولين الأميركيين: لم يكن يوجد في المجمع السكني المشتبه به خدمة هاتف أو إنترنت، ومع ذلك خلص المحللون الاستخباراتيون إلى أن مثل هذا المجمع لا يبنى إلا لإخفاء شخص مهم، لأن المبنى مكون من ثلاثة طوابق ويشبه الحصن، لافتقاره لأي نوافذ تطل إلى الخارج.

وحين وصل فريق التحقيق إلى المجمع المشتبه به بدأ في تحليل معلومات الفريق المساعد الذي سبق ووضعها عن الشكل الذي يمكن أن يكون عليه مخبأ رجل كأسامة بن لادن من حيث الإجراءات الأمنية المشددة للغاية، وموقع المجمع وطريقة تصميمه والطريقة التي يتصرف بها مرسال بن لادن وشقيقه. لكن ما هي الأشياء التي كان المرسال يتردد من أجلها على منزل بن لادن بل يعيش معه فيه.. حسب جهاديين عملوا مع بن لادن فإن «الشيخ أسامة كان يخشى دائما الإبقاء على مرسال واحد يتردد عليه.. كان خلال الحرب في أفغانستان، وحتى تسعينات القرن الماضي، حين أصبح غير مرغوب فيه، يغير الأشخاص الذين يترددون عليه زيادة في الحيطة، لأنه كان يعتبر المراسيل خيوطا يمكن أن تجعل أعداءه يصلون إليه بكل سهوله، وهذا ما حدث الليلة (قبل) الماضية».

لكن فريق التحقيق الأميركي على الأرض لم يكن واثقا على ما يبدو، لأنه لم يتخذ أو يتصرف حيال المعلومات التي ظهرت أمام عينيه عن مقر بن لادن، إلا بعد أن أبلغ الأجهزة الاستخباراتية الأميركية التي كانت هي الأخرى قد بذلت جهودا مضنية للحصول على تأكيد في فبراير (شباط) الماضي من مصادر مختلفة عن أنه من المرجح أن يكون بن لادن في هذا المجمع، وقبل انتهاء الشهر قدمت الاستخبارات الأميركية بشكل جدي ونهائي تقريرا للبيت الأبيض مفاده أن مكان بن لادن تم تحديده بالضبط ودون أدنى شك، حيث بدأ الإعداد لشن غارة على المجمع، رغم المخاطر التي كانت تحيط بها، بسبب قرب الموقع من العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

وحسب التقارير الأميركية لم يكن أمر اصطياد بن لادن سهلا، لأن المجمع يقع في الأراضي الباكستانية، بل شمال العاصمة. ولهذا تم الاحتفاظ بسرية ما توصلت إليه المخابرات الأميركية وفريق التحقيق على الأرض، طيلة أكثر من ستين يوما، عكف خلالها كبار مسؤولي الأمن، على التخطيط للعملية وإطلاع الرئيس باراك أوباما على تطوراتها. وبدا أن رهان أوباما على إمكانية التخلص من بن لادن قبل انتخابات الرئاسة العام المقبل أمر ممكن.

وتشير التقارير أيضا إلى أنه وبداية من شهر مارس الماضي شرع أوباما في عقد سلسلة اجتماعات مع فريقه الأمني، وعدد قليل من مسؤولي الإدارة، لدراسة الخيارات المختلفة بشأن العملية، وعدم إبلاغ باكستان بها. ووفقا لتصريحات مسؤول أميركي لم يكشف عن هويته لوسائل الإعلام فإنه لم يتم إطلاع أي بلد آخر، بما في ذلك باكستان، على المعلومات الخاصة بمقر إقامة بن لادن في أبوت آباد، بسبب الخشية من انكشاف العملية وفشلها. ومن المعروف أن مسؤولين أميركيين يتشككون عادة تجاه ما يعتقدون أنه «لعبة مزدوجة» يقوم بها الجهاز العسكري والاستخباراتي الباكستاني مع الإسلاميين.

ويوم الجمعة الماضي، وفي تمام الساعة الثامنة وعشرين دقيقة بتوقيت واشنطن، أصدر الرئيس الأميركي قرار تنفيذ الغارة على المجمع بواسطة ثلاث مروحيات تقل فريقا صغيرا من قوات العمليات الخاصة، إضافة إلى قوات أميركية برية، وحسب رواية لأحد سكان بلدة أبوت آباد يدعى ناصر خان، فقد طوقت قوات الكوماندوز مبنى المجمع و«حلقت فوقه ثلاث طائرات هليكوبتر»، مضيفا في إفادته لـ«رويترز» أنه تابع المعركة التي بدأت بعد منتصف الليل، من سطح منزله، و.. «فجأة حدث إطلاق نار من الأرض صوب طائرات الهليكوبتر. كان هناك إطلاق كثيف للنيران ورأيت طائرة هليكوبتر تتحطم».

وتقول المصادر إن العملية «استغرقت أقل من أربعين دقيقة، جرى خلالها اشتباك مسلح بين حرس المجمع وقوات برية أميركية». وفي مؤتمر صحافي عبر دائرة هاتفية بعد دقائق من إعلان أوباما مقتل بن لادن، أطلع مسؤولون أميركيون الصحافيين في واشنطن على تفاصيل مقتل بن لادن في تبادل إطلاق نار استمر فترة ما بين 4 و5 دقائق في المجمع المحصن، وأن بن لادن حاول «مقاومة الهجوم بالقوة».

وحسب مسؤول تحدث لـ«رويترز» قتل على أثر الاشتباك بن لادن بإصابة في رأسه، كما قتل مرساله وشقيق مرساله وابن بالغ لبن لادن وامرأة، فيما سقطت مروحية شاركت في الغارة، قال الأميركيون إنها أصيبت بعطب فني، وإن الفريق المنفذ للعملية قام بتفجيرها لهذا السبب، واستقلوا مروحية أخرى مع عناصر القوة المهاجمة للخروج من المجمع، بعد أن شملت العملية أيضا إنزال قوات خاصة تأكدت من مقتل بن لادن واحتجزت جثمانه. وتم إخلاء المنطقة التي تصاعدت منها أعمدة الدخان.

وفي وقت لاحق أظهرت مقاطع فيديو عرضتها قناة «جيو» الباكستانية ألسنة اللهب تتصاعد من المجمع. وأكدت مصادر أمنية أميركية أن التعليمات التي حصلت عليها القوات الخاصة كانت لقتل بن لادن، بدلا من محاولة إلقاء القبض عليه، مما كان سيزيد من التعقيدات أمام الولايات المتحدة حول كيفية التعامل معه واعتقاله على المدى البعيد، وصرح مسؤول عن الأمن القومي الأميركي أن فريق القوات الأميركية الخاصة الذي طارد بن لادن، كانت لديه أوامر بقتله لا اعتقاله، وأنه لم تكن هناك رغبة في اعتقاله حيا في باكستان.

وتفيد مصادر أميركية لـ«الشرق الأوسط» أن جملة من العوامل أدت إلى نجاح العملية، على رأسها التكتم التام على العملية وعدم إشراك أي دولة أخرى أو إطلاعها على المعلومات التي حصلت عليها الاستخبارات الأميركية حول المجمع السكني الذي وجد فيه بن لادن في النهاية.

ومثل كثير من الجهاديين الذين عملوا في الماضي مع بن لادن على الجبهة الأفغانية السوفياتية قال أبو مسعود المصري: «الطريقة التي مات بها بن لادن مشرفة لأن فيها اشتباكا وأسقط طائرة وألقوه في البحر حتى لا يكون مزارا لأتباعه».

الشرق الاوسط
Please login to comment
  • No comments found