تقرير: علي ميرغني( السودانى)
*هل سيدفع القلق من تكرار التجربة الكينية الأخيرة بالجنوب في أول انتخابات تنظم فيه، حال انفصاله، المواطن الجنوبي لتفضيل خيار الوحدة مع الشمال طبقاً للمقولة الشهيرة "الشماليون مهمون لمنع اقتتال الجنوبيين مثل أهمية وجود القش بين ألواح الزجاج"؟.
دخل العنف العرقي السياسي الكيني منحىً نوعياً خطراً ينذر بوصول الانشقاق الى المؤسسة العسكرية والشرطية المناط بهما حماية البلاد من الانزلاق إلى الحرب الأهلية والفوضى الشاملة، بعد دخول طائرات الهلكوبتر فى النزاعات العرقية. فالمشهد الكيني ألقى بظلاله على السودان عموماً والجنوب خصوصاً، وأبدى كثير من المراقبين تخوفهم من مآلات الانتخابات القادمة والاستفتاء على الوحدة في الجنوب، خاصة وأن البلدين يتشابهان في تاريخهما الحديث.. فكلاهما كان مستعمرة إنجليزية، وكلاهما اختار التعددية الحزبية، وتفوقت قوة شد القبيلة على قوة شد الوطنية فيهما، وجنوب السودان بصورة خاصة.
ورغم ان الحركة الشعبية تمثل جميع القبائل داخلها، إلا أن احتمالات التوتر القبلي تبدو ماثلة للعيان، حادثة قتل ضباط الشرطة في يامبيو وقيام جنود من الجيش الشعبي، من منظور قبلي، بإطلاق سراح وزير مالية حكومة الحنوب السابق آرثر كوين الذي كان معتقلاً بسبب اتهامه بمخالفات مالية.
أحداث كينيا أبرزت مخاوف جدية من تكرار ذلك في السودان ككل وفي الجنوب خاصة، لا سيما أن التوقعات ترجح احتمال أن يختار الجنوبيون الانفصال. لكن يبقى السؤال المهم: هل سيدفع القلق من تكرار التجربة الكينية الأخيرة في الجنوب في أول انتخابات تنظم في الجنوب بعد انفصاله المواطن الجنوبي لتفضيل خيار الوحدة مع الشمال طبقاً للمقولة الشهيرة "الشماليون مهمون لمنع اقتتال الجنوبيين مثل أهمية وجود القش بين ألواح الزجاج"؟، وأيضاً المخاوف من تكرار السيناريو الكيني في السودان بعد الانتخابات القادمة، في حال عدم قبول طرف ما بنتيجة الانتخابات.
رفض نتيجة الانتخابات يعني الفوضى
ويقول القيادي بالحركة ونائب رئيس البرلمان، اتيم قرنق إن الأزمة الكينية نتجت عن سوء تطبيق قانون الانتخابات الكينية وليس القبلية. وعاب عليها عدم وجود فترة طعون بين إعلان النتيجة وأداء الرئيس الجديد القسم الدستوري. واسترشد في حديث لـ(السوداني) بالانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تجرى شهر نوفمبر بينما يؤدي الرئيس الجديد اليمين الدستورية في شهر يناير، متيحاً الفرصة لتقديم أي طعن في الانتخابات "لكن الرئيس الكيني أدى القسم مباشرة بعد إعلان النتيجة".
وأكد أتيم أن التطبيق السليم لاتفاق السلام الشامل سيكون الفيصل في اختيار الوحدة، مستبعداً أن تؤثر أحداث كينيا على قرار المواطن الجنوبي، خاصة أن معظم أهل الجنوب يعيشون في الأرياف ولا يعلمون ما يجري في كينيا. وأكد أن المواطن الجنوبي يثق في المواطن الشمالي، لكنه لا يثق في الحكومة المركزية "حتى ولو كان الرئيس جنوبياً"، مطالبا بالاستفادة من التجربة الكينية لوضع قانون انتخابات عادل.
ولم يشأ اتيم ان يعطي توقعات للانتخابات القادمة (لأن الأحزاب لم تطرح برامجها بعد)، لكنه أكد أن الحركة الشعبية ستكون الحصان الأسود في ظل تغيير كثير من مفاهيم الشعب السوداني. ورداً على سؤالنا عن السيناريو الأكثر احتمالاً إذا رفض حزب ما نتيجة الانتخابات إن لم تكن في مصلحته وسعى في خرابها، قال أتيم إن من يفعل ذلك "يرفض قرار الشعب السوداني"، وأضاف "ذلك يعني الدخول في حرب شاملة".
الجنوب سيكون أسوأ
لكن الدكتور لواء (م) محمد العباس كان لديه رأي مخالف لأتيم قرنق، معتبرا ان سيكون السيناريو أكثر دموية، اذا انفصل الجنوب، مما يحدث في كينيا ذات الجيش والشرطة النظامية والنزعات القبلية الأقل من مثيلتها في السودان. وقال: "الجنوب يعاني من خلافات وسط القبائل النيلية؛ الدينكا الشلك والنوير، بالإضافة الى خلافات ذات القبائل مع القبائل الأخرى، بل حتى داخل القبيلة الواحدة".
وتوقع العباس حدوث أعمال عنف في اعقاب الانتخابات القادمة حتى في الشمال، إذا حدث خلاف حول النتائج، مشيراً الى ان "حتى اوروبا تتصاعد فيها النزعة القومية"، ملمحاً إلى أن الحديث عن خلق وحدة جاذبة "مضيعة للوقت"، وطالب أن يترك المواطن الجنوبي وحده يقتنع بالوحدة رغم صعوبة ذلك لأن تيار الانفصال هو الغالب وسط الجنوبيين، مستدلاً على ذلك باستهداف التجار الشماليين في الجنوب وافتتاح القيادة العامة للجيش الشعبي.
إلى ذلك اعتبر الدكتور لواء (م) محمد العباس أن الجنوبيين إذا توحدوا فإن حاكم السودان القادم سيكون جنوبياً، خاصة إذا لم يتحالف المؤتمر الوطني مع الأمة القومي والاتحادي الديموقراطي، مسترجعاً تجربة سقوط دكتور حسن الترابي في دائرة الصحافة عندما تحالفت الأحزاب الأخرى ضده.. بالإضافة إلى تجربة حسن ابو سبيب في دائرة ام درمان عندما وجهت الجبهة الإسلامية أنصارها لمنح اصواتهم له بعد اقتناع الجبهة بعدم إمكانية فوز مرشحها.
واستبعد العباس أن تختار النيل الأزرق الانضمام الى الجنوب "لأن ما يجمعها مع الشمال أكثر مما يجمعها مع الجنوب"، لجهة أن المنطقة شهدت قيام مملكة الفونج "الذين يرجع نسبهم الى بني امية". ونوّه الى ان المؤتمر الوطني يرتكب خطأ كبيراً اذا اعتبر ان أمواله تكفي لضمان الأصوات اللازمة لفوزه في الانتخابات، وقال "إذا دفع المؤتمر الوطني ملايين الدولارات فإن جهات خارجية ستدفع مليارات الدولارات".
الترابط النضالي ضمان للوحدة
واعتبر رئيس المكتب التفيذي للتحالف الوطني السوداني العميد (م) عبد العزيز خالد أن المواطن الجنوبي لا يجد نفسه في دول الجوار الأخرى "بل في الشمال"، وعضد وجهة نظره هذه بتجربته الشخصية أثناء (فترة النضال) حيث التقى نساءً جنوبيات في كينيا ويوغندا أعربن عن تشوقهن للسلام والرجوع الى السودان. ولم يقلل خالد من تأثير أحداث كينيا على خيارات المواطن الجنوبي، لكنه طالب بأن يدفع ذلك الناس الى تجنب حدوث ذلك في السودان. وأبدى تفاؤله بوحدة السودان، وأشار إلى أن ما يحدث في دارفور اكثر خطورة من انفصال الجنوب، معتبراً ان الوحدة الشمالية الشمالية مهددة أكثر من الشمالية الجنوبية.
ومضى خالد الى القول ان المؤتمر الوطني اكثر الأحزاب رعباً من الانتخابات، وهو الأقل حظاً فيها، وليس امام المؤتمر الوطني الا خيار تزوير الانتخابات. وطالب الأحزاب الأخرى بالوحدة لإنجاز انتصار ينهي سلطة الإنقاذ. وأشار الى ان الجبهة الإسلامية عمدت الى أساليب مكر كثيرة في انتخابات 1986، مثل دفع البعض للترشح تحت قائمة احزاب اخرى، كما جرى في دائرة الفتيحاب حيث دعموا ترشيح اللواء عبدالعزيز محمد الأمين، عضو المجلس العسكري الانتقالي، لشق قائمة الحزب الاتحادي الديموقراطي، الشيء الذي مكن لفوز مرشح الجبهة. (حاليا ينتمي اللواء عبد العزيز للمؤتمر الوطني).
وطرح العميد (م) عبد العزيز خالد هنا سؤالاً: "هل سيرضى المؤتمر الوطني عن نتائج الانتخابات، ام سيعمل على خلق عدم استقرار؟". ولمح الى الإجابة متهماً المؤتمر الوطني بالاحتفاظ بالمليشيات شبه الرسمية "الدفاع الشعبي الشرطة الشعبية والمرابطين" لحماية نظامه، "رغم أن اتفاق نيفاشا حل هذه المليشيات". ودق خالد ناقوس الخطر بضرورة دفع مستحقات اتفاق السلام الشامل قبل الانتخابات. وخلص إلى أن المخرج في اقتناع كل القوى السياسية بالتحول والانتقال الحرج "التحول الدموقراطي" إلى الدولة الرضائية.
المطالبة بالتوافق على ثوابت وطنية
وتوقع رئيس مجلس شورى المؤتمر الوطني البروفيسور عبدالرحيم علي أن تشهد أول انتخابات جنوبية، في حال الانفصال، اقتتالاً بصورة أفظع وبوتيرة أعلى من الذي يجري في كينيا، لجهة أن التوتر القبلي في الجنوب أعلى مما في كينيا. واعتبر ان ذلك ربما يقود الجنوبيين الى تفضيل خيار الوحدة خوفاً من هذا السيناريو. وأشار في حديثه لـ(السوداني) الى تشابه ظروف السودان وكينيا في التاريخ الحديث، فكلاهما مستعمرة انجليزية واختارا التعدد السياسي، بالإضافة الى وجود حراك اجتماعي كبير بين حدود البلدين.
ورحب علي بأي تحالفات حزبية "حتى لو ضد المؤتمرالوطني"، لكنه طالب بالتوافق على ثوابت قومية مثل الحفاظ على الأمن القومي والأمن الاقتصادي والاجتماعي وحرية الممارسة، وقال: "العاقل من اعتظ بغيره، السودان يعاني من القبلية وضعف الرابط القومي، وهو مقبل على انتخابات واستفتاء مصيري، والكرة الآن في ملعب القادة السياسيين، فإن تساموا فوق المصالح الحزبية وسعوا إلى الحد الأدنى من الوفاق الوطني سلموا وسلمنا معهم. وإن كان غيرها فالسودان مرشح أن يكون مادة دسمة لوكالات الأنباء".
Newer articles:
Older news items
- ماهية الحزب السياسي الديمقراطي؟ - 16/01/2008 23:07
- سلفاكير: نملك وثائق تؤكد وقوف جهات وراء المسيرية - 16/01/2008 08:37
- اشتباكات أبيي توقع 20 قتيلا والخرطوم تحاول احتواءها - 05/01/2008 13:16
- سلفاكير يقيل تيلار واليو من مؤسسات الحركة الشعبية - 04/12/2007 08:57
- د.لام أكول والسياسة الخارجية رداً علي المقال الأخ شوقي بدري بعنوان د.لام أكول وزير مميز - 08/09/2007 19:17
Latest news items (all categories):
- INTERNAL MEMO - Appeal For Unity And Renewal Within The SPLM/A-IO - 08/06/2026 23:12
- The Tribal Marketplace: How Ethnic Associations are Capitalizing on the South Sudanese State - 08/06/2026 16:12
- Breaking The Evil Political Dominance - 08/06/2026 16:09
- African Professional Summit 2026 to Convene Leaders, Innovators, and Change-Makers in Lagos - 08/06/2026 16:05
- Reformation meets growth with the Green Corrections Initiative in South Sudan - 08/06/2026 15:57
Random articles (all categories):
- South Sudan Displacement Crisis: Nyal Port Monitoring - Panyijiar County, Unity State, South Sudan (August 2020) - 02/10/2020 11:45
- Turkish charities bring smiles, hope to Africa - 04/09/2021 03:51
- South Sudan deploys army to guard UN base - 18/04/2014 18:56
- Fabricating Excuses of SPLM for paving it Way to an Endless Ruling, Schisms and Corruptions - 19/02/2010 14:35
- Police disperse student protest in Sudan - 04/03/2012 15:56
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 97994 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 63962 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52122 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49331 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46081 times