التاريخ 26\5\2010م بقلم/ إدوارد أندرو أشيك أوكيج
التحية الوطنية العامرة لكل وطني ثوري اختار النضال من أجل العدالة والمساواة والحرية والتنمية والسلام ، والتحية لكل جندي مجهول قدم نفسه رخيصة الثمن لأجل شعب جنوب السودان ،والتحية لشهداء منطقة انقديار الذين يفقدون ارواحهم يوم بعد يوم للدفاع عن تراب الاجداد والاباء ، وفي مقالي هذا أقدم أسفي وتعذيتي لصديقاى في التربية والحياة الاخ - الرفيق سانتينو فاولو فكوان والاخ - الرفيق اوفيتي جون ادوك اللذان تم أغتيالهما بصورة وحشية في حادث مروع يوم السبت الموافق 22\\5\\2010م في تمام الساعة العاشرة صباحا.....
وقد كانا قادمين من مقاطعة فنيكانق متجهين الي مدينة ملكال نسأل الله الرحمة والمغفرة لهما ومن كانوا معهم ولذويهم الصبر والسلوان ، وبهذا الأغتيال يكون الصراع في ولاية اعالي النيل –ملكال قد اخذ بعدا أخر يصعب السيطرة عليه فيما بعد ويكون الابرياء هم الضحية ، ولكن العبرة ليست في الاغتيالات الوحشية والقتل العشوائي بل في كيفية تحقيق الأمن والاستقرار لمجتمع إنساني مسالم ، ومثل هذه الاحداث يزيد من خلق الأستياء في الولاية ومن شأنه يؤثر في سكان المنطقة والولاية . هذه الهمجية البربرية بعد انتهاء واحدة من اطول الحروب الاهلية في افريقيا عام 2005م في السودان علي يد قائد الثورة الوطنية التحررية والذي اغتيل في نفس العام بعد واحد وعشرين يوما من توقيعه الاتفاقية ، عن طريق اصطدام طائراته في احد جبال جنوب السودان قادما من دولة يوغندا الحدودية ، واستلم القائد الفريق/ سلفاكير القيادة العسكرية و السياسية للحركة في جنوب السودان ، الفقد كان عظيما ظلت اثاره باقية حتي اليوم . وكما يقول بعض العلماء الامريكان بان العقل الانساني يصعب عليه نسيان الاحزان اكثر من الافراح ، مثلما يصعب على شعب جنوب السودان والشعب السوداني نسيان شخصية دكتور جون قرنق وصورته الي امد بعيد ، والي ما ذهبت اليه الاوضاع في جنوب السودان و الجيش الشعبي بعد ذهابه والله وحده يعلم إن كان موجودا ماذا ، يحدث ؟ ، ولوشاء الله له ان يقوم اليوم ليشاهد الواقع من بعده فيا ترى ماذا يقول ؟ . و في راي الشخصي ان قام لطلب من ربه الموت مرة اخري حتي لايري الثورة تتحول الي بيوتات وجيوب خاصة ، والواقع يسوء من يوم الي يوم اخر وشعبه الذي استقبله استقبال الثوار الوطنين ، الاستقبال الذي حولت الحركة من حركة ثورية الي حركة ثورية تمتلك الشرعية الديمقراطية من الشعب . بدات الشعب يفقد الثقة في الثورة كانما لاتوجد ثورة اصلا ودماء الشهداء ذهبت عبثا ، كانما الموجودين على زمام السلطة لم يكونوا يوما ثوارا ذوو قضية وطنية جماهيرية ، بدات الثورة ( الحركة الشعبية ) تأكل بنيها و تأكل البترول والحجر بلا رحمة في قلوبهم واللمسات الانسانية لتقديم الخدمات الاساسية وتنمية المواطن . ولكن لمن يقدمون الخدمات وابناءهم في امريكا و استراليا و يوغندا وجنوب افريقيا ونيروبي يدرسون في افضل المدارس والجامعات ويسكنون في بيوتات فاخره ، هكذا قادة الثورة بعد موت القائد د.جون قرنق. على مر التاريخ لاتوجد ثورة بلا اهداف قصيرة المدى و بعيدة المدى ، ثورة بلا رؤية استراتجية تجاة نفسها والجماهير والوطن .
مضت خمسة سنوات من اتفاقية السلام الشامل ، وما زالت تواجه جنوب السودان وشعبه تحديات غياب البنيات التحتية القوية والغياب الكامل للتنمية والتفلتات الأمنية المستمرة و تراجع الوعي القومي الجنوبي وانتشار الوعي القبلي الجهوي الضيق وانتشار رقعة النزاعات القبلبية تتطور وتاخذ اشكال أخرى و نمو ثقاقة التمرد ومخالفة التعليمات العسكرية داخل مؤسسة الجيش الشعبي . تواجه اليوم القيادة السياسية والعسكرية و المدنية لجنوب السودان تحدي القدرة على اقامة دولة القانون و المؤسسات ذات السيادة الوطنية الكاملة لتعمل على مبدا احترام الذات والاخر ، و تعمل على تأهيل تلك المؤسسات المدنية وتأهيل الاجيال الناشئة من ابناءها. ومهما كانت سوء الاوضاع خلال الخمس سنوات الماضية لايمكن أن تكون مبررا لمطالبة بعض من ابناء جنوب لسودان بوحدة السودان واستمرارية العقلية السودانية القديمة في السيطرة الأبدية . استقرار جنوب السودان مسؤولية تاريخية تقع على عاتق كل مثقف ومواطن جنوبي الذي يهمه امر الوطن وشعبه ، وتصدع الاقليم ظرف غير مبرر في الظروف الحالية ولكن...!. ونتيجة منطقية لسياسات تعود جزورها لأكثر من خمسين عاما من عمر استقلال السودان كوطنا حرا له سيادة وطنية وقانونية .
والكل يعلم بان شعب جنوب السودان قد عانى ارهاصات مرحلة الحرب الطويلة ويحتاج للتأهيل نفسيا واجتماعيا وخلق ثقة بنفسه عبر ثقافة جديدة تستوعب ارهاصات خمسون عاما مضت وثقافات الحرب المختلفة وانتاج وسائل انتاج جديدة متطورة وخلق مناخ اقتصادي هادئ منسجم يستطيع ملء الفراغات الثقافية التي اكتسبت اثناء فترات الحرب الطويلة المتناقضة وهذا الواقع يجب ان يرتكز اساسا حول الاقتصاد والصناعة ، والعناية بالسكان ( صحة ، تعليم ، تغذية ، إعمار ، إلخ.. .). ويجب ،ان اشير الي ان جنوب السودان يقع تحت قائمة تصنيفات الدول المتخلفة بمعني انسانه متخلف والانسان المتخلف لم يعط الاهتمام نفسه وهو وليد واقع وبنيته الاجتماعية الثقافية متخلفة ، ولكنه غير قابل للتغيير تلقائيآ .وكما يقول د. مصطفى حجازي بان يعاش التخلف على المستوى الانساني كنمط وجود مميز ، له دينامياته النفسية والعقلية والعلائقية النوعية . والانسان المتخلف ، منذ أن ينشأ تبعا لبنية اجتماعية معينة ، يصبح قوة فاعلة ومؤثرة فيها . فهو يعزز هذه البنية ويدعم استقرارها ، بمقاومة تغييرها ، نظرا لارتباطها ببنيته النفسية . العلاقة إذا جدلية بين السبب والمسبب ( البنية والنمط الانساني الذي ينتج عنها) مما يحتم علينا الاهتمام بهما كليهما عند بحث حالة احد المجتمعات المختلفة ، بغية وضع الخطط التنموية . خلاصة القول ، الانسان وليد البيئة الاجتماعية المعينة ، إن كانت اجتماعية مسالمة ، ولدت انسانا مسالما ، وان كانت عنيفة ، ولدت انسان محارب ومتناقض دائما في سلوكه اليومي .اذن موضوع انفجار العنف في مدن جنوب السودان المختلفة والاشكال التي تتخذها ، وما يحيط به من ظروف ، وما تحركه من قوى وعوامل ، تعتبر في وجهة نظري فرصة كاشفة لما يعتمل في بنية المجتمعة الاجتماعية المتخلفة من عنف ، وما ينتج في المجتمع المتخلف من مآزق وتناقضات ، وانسانه يتعرض الي عنف وقهر وعتباط .اذن المهمة المطروحة امام كل المثقفين و السياسين في جنوب السودان ، هي رسم صورة جديدة للواقع المجتمعي في جنوب السودان ، ولان البيئة المجتمعية في النهاية هي التي تحكم السلوك الفردي في اي مجتمع انساني . والخطوة الاولي المطلوبة للخروج من هذا المأزق هي اعادة بناء المجتمع الانساني في جنوب السودان ، وبناء دولة القانون والمؤسسات المدنية الديمقراطية تعتمد بشكل كبير على مبدا اعادة صياغة انسانه ، واخراجه من دائرة التخلف ، واعتمادا على مبدا قبول والاعتراف بالأخر والأخذ برأيه ومراعاة خصوصيته في الاعتبار وذلك على اساس الثقافة الديمقراطية ومبدا التسامح والانفتاح على الاخر في ظل مجتمع متنوع ومتعدد وبث روح ثقة المصالحة والثقة بين الافراد والمجموعات الثقافية المكونة لمجتمع في جنوب السودان وصولا لتكوين دولة القانون والمؤسسات مجتمعا يتميز بصفات الانسانية ، وصفات الانسان العادي بعيدا عن دائرة التخلف.
ووضع اسس لمعالجة المشكلات التي تنشب بين أفراد المجتمع المدني ، وتسبق ذلك اشاعة ثقافة القناعة لدي المجتمع علي انهم شعبا واحدا ومتساوون في الحقوق والواجبات افرادا في وطن ذو سيادة واحدة حيث ان الامن والاستقرار والتنمية مهمة الجميع دون تمييز. هذا المقال ينطلق من منطلقين فكريتين ، الفكرة الاولى تكمن في فرضية تصويت شعب جنوب السودان عند الأستفتاء لدولة مستقلة ذات سيادة قانونية خاصة بهم ، والفرضية الثانية في حالة تصويت شعب الجنوب لوحدة السودان يبقي الوضع كما هو عليه الان في ظل نظام حكم شبه كونفدرالى في اطارالبلد الواحد ، في كلتا الحالتين يحتاج جنوب السودان الي اقليم سيادة القانون والمؤسسات او دولة سيادة القانون والمؤسسات المدنية لضمان استمرارية العملية السياسية وتحقيق الاستقرار لتطوير عجلة التنمية والخدمات لمواطني الاقليم المتصدع والمصاب بمرض الملاريا الدائمة .
مبدا مفهوم دولة القانون :
في المجتمات البدائية الانتقالية دائما تسود فيها الفوضى وغياب النظام ، وغياب سيادة القانون بشكل نسبي ، وللتحول من مجتمع بدائي انتقالي الي دولة القانون والمؤسسات لمواكبة متطلبات المرحلة لابد من وضع شرط اساسي من شروط الدولة المعاصرة وهي سيادة القانون . وقبل البحث في اسباب التحول الي دولة مدنية حديثة ( ديمقراطية ) لابد من دراسة المعوقات التي ادت الي الفشل في بناء جنوب السودان ذو سيادة القانون خلال الخمس سنوات الماضية من عمر اتفاقية السلام الشامل وبعض من الاسباب ذكرتها في بداية المقال . و رجوعا لتاريخ الدول القديمة تاريخيا والحديثة نجد بان مفهوم سيادة القانون ودولة القانون تبلور تدريجيا في اوربا القديمة كتطور بديل عن الدولة الشمولية الدكتاتورية البربرية ذات سمات الحكم الشمولي المطلق السلطة والسيادة ، ومعلوم بان ثقافة دولة القانون تتعارض مع الدولة الشمولية والاحادية ، حيث إن الدولة الشمولية الاحادية لا تخضع أبدا لمفهوم القانون ، فهي تعتبر نفسها فوق القانون وهي مصدر النظام القانونى ، حيث هي السيد والامر والسلطان ، والقانون هو أوامرها وأداة بيدها ، وقد اتسم مفهوم دولة السيادة القانونية منذ البداية نشوة الدولة الحديثة ( الديمقراطية ) بحكم الحق وسيادة مبدا القانون لكونه مفهوما مقارنا بالدولة التقليدية الشمولية المستبدة ( الدكتاتورية ) ، والدولة الحديثة بهذا المفهوم هي دولة سيادة القانون والمؤسسات بالقياس الي الدولة البدائية الانتقالية التي هي مشخصنة اي دولة الذات .
اذن السلطة في الدولة الانتقالية متمركزة بشكل كامل في شخص واحد ويختلف ذلك في دولة سيادة القانون اي الدولة الديمقراطية ، وهي دولة القانون التي توزع فيها السلطات علي مؤسسات ( تشريعية ، تنفيذية ، قضائية ).
وما يوحد ويربط بين سلطات ( تشريعية – تنفيذية – قضائية) هو وحدة الفضاء القانوني الواضح المرسوم الذي يرسم لكل سلطة اطارها ومجالها واختصاصاتها وحدودها القانوني الخاص بها والمعيار الاساسي والمرجع . الحكم في دولة القانون هو سواء تعلق الامر بالقانون الاساسي الذي هو الدستور اوالقوانين الفرعية .
كما تقوم دولة سيادة القانون ( الدولة الديمقراطية ) علي احلال العلاقات القانونية محل العلاقات العاطفية او الوجدانية والعائلية والقبلية والمهنية علي ان يكون سلطة القانون هي السلطة المرجعية الاعلى التي تستمد منها كل المؤسسات والقطاعات في الدولة مرجعيتها الرسمية . ويرجع أصل مفهوم حكم القانون Rule of law إلي التاريخ الدستوري والسياسي الأنكليزي ،حين ظهرت البوادر الأولي المؤسسة له منذ صدور \" الميثاق الاعظم \" Magna Charta \" عام 1215 على عهد الملك Jean Sans Terre وذلك قبل أن تتوالى الوثائق للتحولات الديمقراطية التي نقلت بريطانية من ملكية مطلقة ، ثم مقيدة ، الي ملكية برلمانية ديمقراطية مع منتصف القرن التاسع عشر . وبالموازة لعب الفلاسفة الألمان من قبيل كانط ، وفيخته ، دورا رياديا في تأصيل مفهوم حكم القانون في الفلسفة السياسية الأوروبية الحديثة او المعاصرة ، فهكذا انتقل مصطلح حكم القانون من البريطانية الي القارية ( أوربا ) الي بقية دول العالم . من هذه التجارب العالمية ننطلق اليوم نحو خلق دولة حكم القانون وسيادة القانون ،
ولتكون واحدة من العلامات الرئيسية لأستقرار جنوب السودان بعد الاستفتاء هي بسط سيادة حكم القانون وتأسيس مؤسسات مدنية قوية ومؤسسه عسكرية قوية ، لضمان استمراره واستقرا ره ، كما لم تعد المؤشرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية فقط هي التي تقيم الدول . بل إن مصداقية نظمها القانونية واستقلال قضائها وشفافيته ونزاهته هو الآخر مقياس لمدي تطور الدول وقدرتها على مواجهة تحديات الجريمة والفساد .
مبدا سيادة القانون:
لتكوين دولة او اقليم مستقر اجتماعيا و سياسيا وعسكريا لابد من التزام دولة القانون وسيادة المؤسسات وبجانب مبدا سيادة القانون تراقب السلطات ومكونة فضاء من الحريات السياسية يمكن كل فرد في المجتمع ان يكون متمتعا بالحرية ومساويا لغيره .
والجانب الاقتصادي المهم الذي يلزم ويهم دولة القانون هو مبدا التطبيق الفعلي الكامل للقانون مطابقا لمبدا لا احد فوق القانون ، وسن قوانين اقتصادية متساوية لا تعطي امتيازات اقتصادية وضريبية لايفرق بين الجميع .
وكما يتفق علماء القانون والعلوم السياسية بان دولة القانون هي الصيغة التنظيمية السياسية التي تنقلب فيها العلاقة بين الفرد والدولة وبين الحاكم والمحكوم راسا علي عقب . فالدولة التقليدية الشمولية تعتبر الحقوق هبات تتكرم بها على رعاياها مميزة بينهم تمييزا استثنائيا في حين ان دولة القانون والحق ترى نفسها تعبيرا عن المواطن وتجسيدا مؤسسيا ضامنا لحقوقه العامة والخاصة . بمعني ان الفرد في هذا المنظور السياسي المتطور هو المواطن الذي يهب الدولة مشروعيتها عبر الاليات المدنية الديمقراطية و كما يتفق مفكرو السياسة وعلم الاجتماع بان الدولة هي مجموعة المؤسسات الممثلة والضامنة للحق العام وللحقوق الفردية والجماعية ومن هنا اقترنت الدولة الحديثة دولة القانون بالديمقراطية اذ لايمكن ان تقوم دولة القانون الا في اطار ديمقراطي تخذ شرعيتها من الشعب ، بل دولة القانون هي من مقتضيات الديمقراطية الفعلية ومستلزماتها الأساسية.
الذي يدرس سجل حكومة جنوب السودان ومؤسساته المدنية والعسكرية خلال خمسة سنوات لا يجد الخيوط الاولية لدولة سيادة القانون او اقليم القانون بفهم حكومية الاقليمية في اطار السودان الواحد ذات سيادة واحدة ويتاكد ذلك من خلال الفشل الاداري الواضح لدي المؤسسات المدنية بشكل عام ، ضعف الكادر الاداري المكدر وتملك حنكة وخبراء لادارة مؤسسات حكومية بصورة جيدة تقودها للتطور وتقدم وتقديم حلول واضحة لمشاكل العاملين في تلل المؤسسه ، الفشل واضح في غياب التنمية في مدن الاقليم لنهيك عن القري البعيدة ان المدن حيث تنعدم فيها المتطلبات الرئيسة للحياة او اساسيات الحياة ، حتي الان لا يوجد مستشفي اقليم يعتمد علية الاقليم بصورة كاملة في تقديم الخدمات العلاجية لشعب جنوب السودان بعيدا عن الخرطوم . خلال ادارة المؤسسة العسكرية في جنوب السودان وعدم الاهتمام بكادر تلك المؤسسة ادي الي انعدام الامن في معظم ولايات جنوب السودان .
اي دولة او اقليم لا تسود فيه الامن والضمانينه لايمكن ان تتقدم وتتطور وسوف تظل مشللولة في تقديم خدماتها الرئيسة لمواطنيها ، بعيدا ان مجتمع الانتاج والابداع .
واعتقد بان جنوب السودان بعد الاستفتاء مواجهه بالتحديات الكبيرة في حالة تصويت شعب جنوب السودان علي دولة مستقلة ، فيكون واحدة من اهم هذة التحديات هي الامن والاستقرار . وافتكر بدون الامن والاستقرار سوف نجد انفسنا في ورطة كبيرة يستحيل الخروج منها . من خلال زيارتي لبعض مدن جنوب السودان وجدت ان المواطن الموجود في تلك المدن يعتمد بشكل كبير علي مؤسسات الحكومة ديمقراطية دون القيام باعمال اخري برغم بان التربة بصورة عامة في جنوب السودان تساعد على استمرارية الحياة واعتماد المواطن على نفسه في مقاومة ظروف الحياة فقط في حالة توفر الامن و الاستقرار والحماية ، ومشكلة غياب الامن يقودنا لتحدث عن دولة القانون كما ان دولة القانون هي الحد الادني لدولة الوطنية مستقرة في وظيفتها السياسية لاتحمل اية مزاعم ذاتية واجتماعية اواخلاقية في بسط العدالة الاجتماعية بل هي مجرد مؤسسة لمسألة السلطة بهدف توفير الشروط الاساسية لانطلاق عملية التنافس الاجتماعي بين الكيانات الاجتماعية ومصدر قوتها يكمن في تحقيق العدالة القانونية بين المواطنين بتساوي الفرص وتوفير الظروف الملائمة للتفاعل الاجتماعي .
اذا دولة القانون هي صورة مختلفة تماما لدولة الفوضى او نقيض الدولة التقليدية . ودولة القانون تسود فيها العلاقات القانونية السلمية بصورة كاملة ويكون القانون هو الامر الوحيد الضامن لحقوق الافراد وتنظم تحركاتهم وتبث ثقافة الحوار والنقاش المنطقي للقضاياة .
اذا يمكن ان نقول بان دولة القانون المطلوبة في جنوب السودان هي الدولة التي تقيم التوازنات بين ضرورات السلطة وضمانات الحقوق والحريات العامة ( الاجتماعية ) والخاصة ( الفردية ) .
مستويات قيام دولة القانون :
مستوي قيام دولة القانون يتبني علي مبدا استقلال السلطات الثلاثة ( التنفيذية ، التشريعية ، القضائية ) ، استقلالية سلطة القضاء في ثلاثة محاور هي التعيين والنقل والمسؤولية القضائية وبلاضافة للحصانة القضائية وخاصة عدم القابلية للعزل القاضي والنظام المالي والاداري الخاص بالترقية والتأديب وقواعد الحياد في مواجهة الخصوم والأعداء . وثانيا عدم تحصين اي عمل من اعمال سلطة الدولة من رقابة القضاء وعدم تدخل كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في عمل القضاء باي صورة كانت ، والركيزة الرئيسة في القضاء هي كيفية التعيين فمثلا ف فرنسا المجلس الدستوري والرئيسي والمجلس الأعلي للقضاء ينتخبون قضاة كذلك من قبل الجمعية البرلمانية لضمان نزاهة القضاة وحيادته واستقلاله ، أما نقل القضاة في فرنسا فهو مرتبط بمبدأ دستوري فلا يمكن نقلهم دون موافقتهم والمجلس الدستوري ، فالترقية للقضاة تخضع لشروط وقوانين معينة تكون قابلة ومؤكدة على استقلالية القضاة والمجلس الأعلى الفرنسي يقول انه لا يجوز تعيين أونقل قاضي دون موافقته وهذا عنصر هام في استقلاية القاضي ، اذن نموذج القضاة الفرنسي هو صوره حية لدولة تطبيق القانون اودولة المؤسسات الدستورية ، من هذا المنطلق اذا اردنا ان نكون في جنوب السودان مجتمع مدني مسالم ومستقر علينا تطبيق القانون وضمان الاستقلال التام للسلطة القضائية علي نموذج فرنسا لضمان التقدم والتطور .
بناء دولة القانون في جنوب السودان يحتاج الاتي :
1- اعادة بناء المؤسسات المدنية والعسكرية وضبط سلطتها في اطار سيادة القانون .
2- قيام الحكومة والاحزاب والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني ببث ثقافة الحوار واحترام الاخر وقبوله يقوم علي عملية اعادة التنشئة السياسية والاجتماعية لتعبئة مؤسسات المجتمع وتأهيله بما يتواكب مع متطلبات المرحلة الجديدة وتاهيله عبر الادوات والقنوات التربوية والتعليمية والاعلامية .
3- إجراء تقييم دائم لأداء المؤسسات .
4- مراقبة مستمرة ومحاسبة مستمرة وإعادة صياغة النظم بصورة متجددة .
5- دراسة تجارب الدول الأخرى والاستفادة منها.
6- الوقوف ضد العنف والميول اليه والممارسات العنفية والفوضى وعدم السماح لها بالنمو .
7- محاربة الفساد بكل أشكاله وانواعه .
مقومات دولة القانون :
1- تسليم السلطة لشعب لإختيار من يحكمه بمحض ارادته الحرة .
2- تكوين منظمات المجتمع المدني و المنظمات الانسانية لتعمل علي تطوير سياسة اللاعنف كمنهج اساسي للتعامل بين الاطراف السياسية وكيانات المجتمع المختلفة وفقا لمبدا المجتمع المدني المسالم و المتحاور اساس دولة القانون .
3- وجود الدستور كأساس للدولة القانونية .
4- تدرج القواعد القانونية الذى يظهر في سمو بعض القواعد القانونية على بعض .
5- خضوع الإدارة للقانون.
6- الاعتراف بالحقوق والحريات الجماعية والفردية .
معوقات بناء دولة القانون في جنوب السودان :
1- التركيبة الاثنية المعقدة للشعب جنوب السودان .
2- انتشار وتطور روح الولاءات القبلية والسياسية وتضخمت بشكل اعلنى .
3- غياب ثقافة النقاش والحوار .
4- غياب روح قبول الاخر واحترامه .
5- تطور وسائل إرتكاب الجريمة وتدني الشعور بالمسؤولية الوطنية .
6- تطور وسائل الاستقطاب السياسي القبلي .
7- ضعف الاحزاب والتنظيمات السياسية وتشظيها الي عشرات التنظيمات الصغيرة المتنافسة فيما بينها بعيدا عن قضايا الجماهير .
8- ضعف البنية التنظيمية لمنظمات المجتمع المدني بل اخذت شكل منظمات قبلية .
9- ضعف التجربة السياسية والديمقراطية لشعب جنوب السودان .
10- الزيادة السكانية ودورها في تفجير الصراعات العنيفة بين مكونات المجتمع الجنوبي .
واخيرا الحديث عن دولة القانون مشروع طويل يحتاج لمذيد من التفكير والجهد والحوار والعمل المستمر المتواصل بين كل الاطراف السياسية والمدنية والدينية و يتطلب العزيمة والارادة والاصرارللوصول اليه ولايمكن تحقيقه ما لم تتفق كل المؤسسات علي تلك الاهداف الأساسية طلما هي لخدمة مصلحة العامة لشعب جنوب السودان ، ولخدمة هذا الشعب نحتاج لوجود الدولة القادرة على حماية المواطنين جمعيا من دون تمييز بين شخص وآخر مهما كانت فكرته وقبيلته ولونه ، وفي خلاصة القول ، أزمة شعب جنوب السودان ، هي أزمة مجتمع هش وأزمة بناء دولة وطنية ديمقراطية تستوعب التناقضات السياسية .
Newer articles:
- باقان أموم: قطار الوحدة قد ولى.. ولم تبق قطرة أمل واحدة - 07/06/2010 16:06
- الرسالة عاجلة إلى كل مهتم بشان الجنوبي - 05/06/2010 17:39
- ترشيح أكول وزيراً للخارجية يفجر خلافات الشريكين - 03/06/2010 13:58
- بيان مهم من ابناء شلو(الشلك) حول الأحداث الأخيرة بمناطق شلو - 29/05/2010 19:04
- ماذا يحدث لقبيلة شلو (الشلك)؟ - 28/05/2010 01:00
Older news items
- الجنوبيين فى الشمال والإستفتاء على حق تقرير المصير - 19/05/2010 09:08
- المواطن الجنوبي بين خياري الوحدة والانفصال - 13/05/2010 07:56
- كيف يمكن إقناع الجنوبين على التصويت للوحدة؟ - 12/05/2010 09:29
- بيان صحفى : الانتخابات فى جنوب السودان زيف وخداع ومهزلة - 27/04/2010 20:59
- د. لام لم يخسر الإنتخابات - 24/04/2010 12:56
Latest news items (all categories):
- INTERNAL MEMO - Appeal For Unity And Renewal Within The SPLM/A-IO - 08/06/2026 23:12
- The Tribal Marketplace: How Ethnic Associations are Capitalizing on the South Sudanese State - 08/06/2026 16:12
- Breaking The Evil Political Dominance - 08/06/2026 16:09
- African Professional Summit 2026 to Convene Leaders, Innovators, and Change-Makers in Lagos - 08/06/2026 16:05
- Reformation meets growth with the Green Corrections Initiative in South Sudan - 08/06/2026 15:57
Random articles (all categories):
- South Sudan rebels sign ceasefire with government - 28/02/2012 22:13
- Obama signs order to ease sanctions against Sudan - 13/01/2017 08:34
- MTN’s Bayobab licenced to operate fibre networks in South Sudan - 28/11/2025 16:39
- Hillary Clinton’s State Department Let South Sudan Use Child Soldiers - 11/06/2016 13:16
- South Sudan's NAS refuses final peace document - 31/08/2018 18:00
Popular articles:
- مفهوم التنمية . - 12/04/2011 01:00 - Read 97994 times
- مفهوم النزاع - 06/04/2011 01:00 - Read 63962 times
- مفهوم التنمية الصحية - 31/01/2012 21:32 - Read 52122 times
- Jobs Analysis Concept مفهوم توصيف او تحليل الوظائف - 01/10/2011 01:00 - Read 49331 times
- مفهوم الحكم الراشد - 23/10/2010 03:30 - Read 46081 times