logo

إعداد: فاشاي فيليب مييك _الخرطوم السودان.
أذهلني وأدهشني خبر عن التعداد السكاني لحظة سماعي لتسريباته الأولى عبر (البي بي سي) في خبر عابر أذيع أربعة أيام مضيا مصحوبا بتعليق تقريري خفيف حوى في ما حواه الكثير والمثير.

 

إذ أشارت تلك التسريبات إلى أن تعداد حجم سكان جنوب السودان أجمعين بلغ عدده سبعة ملايين نسمة فقط ،وبالمقابل بلغت إحصائية سكان دارفور ثمانية مليون نسمة متفوقين على إخوتهم في الجنوب بفارق (1) مليون نسمة بحسب المصدر. وهو ما قابله سلفا كير بتصريح غير رسمي (منقول عنه بحسب ذات المصدر الخبري) بأنه لن يقبل بأي نتيجة تقل عن ال (15) مليون نسمة كحد أدنى لعدد سكان جنوب السودان وأظنه كان محقاً في ذلك التقدير لكثير من الإعتبارات من بينها ما يلي:-

فبالرجوع لآخر تعداد رسمي أجري في السودان قبل بضع أعوام مضت، كانت النتيجة حوالي 6 مليون نسمة لعدد سكان الجنوب. مما يعني أن الزيادة الحالية لم تكن كبيرة، إذ جاءت بمعدل (1) مليون نسمة فقط بمغارنته مع آخر تعداد سبقه. علماً بأنه إبتداءاً من العام 2003م شهد السودان عامة والجنوب خاصة نوعاً من الإستقرار النسبي تضاعف مردوده بعد توقيع إتفاق السلام الشامل في مطلع 2005م لتطوى صفحة الإقتتال والذي كان من أكبر عقبات النمو السكاني الطبيعي فتحولت معظم أرجاء السودان إلى مناطق يسودها الإستقرار بعد أن كانت الحرب الطاحنة حجر العثرة الرئيسي أمام نمو السكان وإذدياد أعدادهم. لتبدأ البلاد فترة أخف وطأة عما سبقها من منظور النمو والتطور السكاني. تعتبر فترة السلام من الفترات التي شهدت التغيرات الآتية:-

1- إنحسار نسب وفيات الحروب بحلول السلام.

2- حدوث إنخفاض عام في معدل إنتشار الأمراض المختلفة خاصة وسط ساكني القرى والأرياف والمناطق البعيدة عن المدن والتي كانت لا تتوفر بها أبسط الخدمات الصحية لأنه أضحى يإمكان هؤلاء الوصول للمدن حيث الخدمات العلاجية أو وصول الخدمات إلى مناطقهم أحياناً بفضل بإنفتاح طرق المواصلات وسائل والتنقل المختلفة وبالتالي إنحسرت نسب الوفياتالناجمة عن الأمراض بشكل ملحوظ.

3- إرتفاع نسب المواليد الأحياء لتحسن الأوضاع والظروف الصحية المذكورة أعلاه نسبياً نحو ما هو أفضل.

4- الإقبال على الزواج وسط الشباب والكبار بشكل لافت وملحوظ.

5- عودة الكثير من الأسر والجماعات المهاجرة وفي صحبتهم أفراد جدد ولدوا في المهجر والمعسكرات وغيرها من مناطق النزوح المختلفة التي عاشوا فيها..

6- توفر بعض مقومات الحياة التي لم تكن متوفرة في الجنوب أثناء فترة الحرب والتي شجعت بدورها المواطنين علي التفكير في الإستقرار والرجوع إلى بعض المناطق التي شهدت شيئاً من الإستقرار النسبي ..

هذه العوامل وبعضاً مما لم أذكره أظنها كانت كافية كحافز لإحداث نوع ما من أنواع الزيادة في مقدار حجم سكان جنوب السودان، ولكن يبدو أن هذه الزيادة لم تكن لصالح مواطني الجنوب إذ لم تضف لأعدادهم شيئا

ومما أثار دهشتي أيضاً هو أن: أغلب أهالي دارفور كانوا قد إعتكفوا المعسكرات المغلقة (المحميات) التي لجأوا إليها إما مقاطعةً لمشروع التعداد أو طلباً للأمن والأمان لما كان يسود منطقتهم من حروب وصراعات. قرر أغلبهم على إثرها مقاطعة التعداد برمته وفق ما أملاه عليهم قادة حركاتهم وأكدوه بمواقفهم وفق رؤاهم وتقييمهم للأحوال وقتها:[ فإن كلاً من: د.خليل وعبد الواحد كانا يريان عدم جدوى إجراء عملية التعداد في مناطق دارفور ، طالما أن مطالبهم التفاوضية لم تنجز أو تنفذ، وهي التي قد تفضي إلى توقيع إتفاق سلام ويعقبه حالة إستقرار عام في المنطقة (بوصفهم دارفور جزءاً مهماً وأصيلاً من هذا السودان) لذا طالبوا بحل مشكلة دارفور قبل إجراء أي عملية تعداد في السودان أو إستثناء منطقتهم عن التعداد إلى أن يبلغوا مستوى الجاهزية المرجوة].

فلما لم تجد مطالبهم ما توقعوه من مستوى الإستجابة أعلنوا مقاطعة التعداد مقاطعة تامة،عبر قواعدهم الشعبية ومواطنيهم في القرى والمدن فكان لهم ما أرادوا إذ جاءت ذلك بمثابة عائقاً ومهدداً رئيسياً في أن يعم التعداد كل أرجاء السودان. إلى أن أوجدت الحكومة بالخرطوم بعض الحلول الوسيطة لهم.

فأين إذاً تم تعدادهم ليفوقوا سكان الجنوب عددا؟.. وهل هم حقاً أكثر منا عددا؟ أم أن في ذلك ردوداً عملية بعيدة المدى على: تهم التشريد والإبادة الجماعية والتصفية العرقية التي ظل يطلقها قادة حركات دارفور بين الفينة والأخرى لحكومة الخرطوم والتى أودت بهم لحافة قضية (أوكامبو) المعروفة...فيكون الرد أبلغ من أية مرافعات..ويغدو بذلك جنوب السودان دورق المعايرة وثيرمومتر القياس!..وقد كان بعض هؤلاء الدارفوريين في معسكرات ومناطق لم يصلها العدادين إما لأنها كانت مناطق تحت سيطرة الحركات المناؤة للحكومة المركزية ولنفوذها..أو لأنها مناطق تماس متأججة صعب الوصول إليها؟

مثل هذه الحالات كانت شائعة في بعض مناطق جنوب السودان كمنطقة أبيي النزاعية أيام التعداد إذ شهدت هي الأخرى واحدة من أصعب أيامها الحرجة إبان التصعيدات والمواجهات التي سادت الأجواء هناك مما حدا بالمجتمع الدولي إلى التدخل عبر لجانه المختلفة سعياً لإيجاد حلول توفيقية بين طرفي الإتفاق والذين تشادا في أيلولة المنطقة إما لجنوب السودان أو لجنوب كرفان وإحتواءً للخلاف القائم حول المنطقة وتجاوزاً لأذمة التعداد...والرواية طويلة وقد وجدت لها أمثلة مماثلة في بعض مناطق جنوب السودان فيما قبل التعداد وإبانه وما بعده ، ولكنها لم تجد مثل ما لاقاه أبيي من إهتمام حكومي ودولي وإعلامي مناسب.

وهذه المشكلات يمكن إدراجها مستقبلاً في قائمة القنابل الموقوتة التي يمكن أن تجهز على هذا السلام وتعجل بنهايته. ما لم يعيد شريكا حكومة الوحدة الوطنية حسابتهما بأن ينصفا كل ذي حق وما لم تسعى حكومة جنوب السودان في حسم كل الخلافات وإعادة كل حق لأهله فلن تجد حكومة بداً من فقدانها قدرتها على السيطرة على مناطق جنوب السودان إن إتسعت دائرة الصراعات وعم الخراب الدار، طالما أن الأمور لا تزال قيد سيطرتها وطالما أنه لا يزال هناك وعي سائد وإحساس بمسؤلية تجاه هذا السلام قبل فوات الاوان.....

وبالرجوع لنقطتنا الأولى..تراودنا كثير من التساؤلات من بينها: ترى..كم يمكن أن يكون تعداد سكان جنوب السودان حالياً بحسب تقديرات حكومة جنوب السودان وفقاً لتقديراتها الذاتية والمحلية الأولية والدقية؟..وهل يمكن أن تكون هي النسبة التي أخذ على لسان الرئيس سلفا كير؟..أم أن الرقم يفوق ذلك بكثير؟..

وكيف يمكن إثبات ذلك عمليا؟..ً أم أن عملية الإثبات لن تعدو أن تكون عبر الإعتراض والإحتجاج على تلك النتيجة كآخر موقف للتعبير عنه بالرفض والإستياء؟

وما هي إنعكاسات كل ذلك وإرهاصاتها علي عملية الإستفتاء وحق تقرير المصير؟

وهل بالسبعة مليون نسمة، يمكن للجنوب حسم مشروع الإستفتاء لصالحه سوى أكان بالوحدة مع الشمال أو بالإنفصال؟!..واضعين في حسباننا باقي مناطق السودان الأخرى؟

وعلى محلياً على نطاق إحصائيات الجنوب في التفوق العددي...هل ستظل الدينكا أكثر قبائل جنوب السودان عدداً والنوير الثانية بعد الدينكا والشلك الثالثة؟..أم أن ثمة مفاجآت جديدة عفوية كانت أم مسيسة تنتظرنا على قارعة الطريق؟

وماذا سيكون حال هذه القبائل: (الشلك مثلاً) لو تراجع ترتيبهم من حيث العدد إلى والوراء وتقدمتهم مجموعات جديدة؟

وما هي إنعكاسات ذلك على التمثيل السياسي مستقبلاً في الإقليم لكل مجموعة أو قبلية على حده؟.. وهل يمكن توقع عهد من العدالة والنزاهة والشمولية في توزيع الحقائب والمناصب في ظل مناخ مفعم بالمفارقات ما بين الأقليات والأكثريات؟..

وهل يمكن توفر أجواء تسودها الهدؤء والإستقرار في جنوب السوان مستقبلا ما لم يعاد النظر في آليات ووسائل بسط النفوذ والسلطة؟؟!

هي أسئلة تتطلب ردود عاجلة!..