السودان واحدة من اعرق و اقدم الدول الافريقية و تمتلك ثروات طبيعية هائلة لم تستغل الاستغلال الامثل بعد، لكنها لم تشهد سلما و لا استقرارا منذ منتصف القرن العشرون نتيجة للحروب الاهلية التي دارت بين الشمال و الجنوب تارة( خلفت ورائها اكثر من اثنين مليون شهيد واكثرمن خمسة مليون لأجئ) و بين الشمال و الغرب تارة آخري (دارفور، مازالت مستعرة) و في جبهات اخري عدة بأنحاء البلاد
فاصبح المواطن السوداني المسكين و المغلوب علي امره لا حلم او امنيه لديه سوى الامن و الطمآنينة(دعك عن لقمة العيش الشريف/الكريم) و التي تحقق جزء منها بعد توقيع اتفاقية السلآم الشامل في نيفاشا الكينية في العام 2005 و التي بموجبها رأى الكثيرون قسطا من الامن و الاستقرار (الجنوب)؛ لان اوزار الحرب لآزالت تشتعل و تستعر في الغرب بالرغم من توقيع بعض من فصائلها المسلحة علي اتفاقيات سلام مع الحكومة السودانية.
ازالة و انهاء المعاناة كانت واحدة من مبادي اتفاقية السلام الشامل كما يقرأ في الجزء أ:1-5-2 من مبادي الاتفاقية (التفاوض حول وقف شامل لاطلاق النار و تنفيذه لانهاء المعاناة و الاقتتال الذي يعانى منه الشعب السوداني).
و سعيا وراء ذلك تم توقيع بروتوكول الترتيبات الامنية التي تمخض عنه تكوىن الوحدات العسكرية المشتركة/المدمجة ليديرها مجلس دفاع مشترك تحت رئاسة الجمهورية و تدرب افرادها علي مبدأ عسكريا مشتركا يصوغه الطرفان و يقرأ كما يلى :( ينبغي ان يكون لها طابع جديد يقوم علي اساس مبدأ مشترك) و تتلخص مهامها في الاتي:
اولا: يكون رمزا للوحدة الوطنية خلال الفترة الانتقالية.
ثانيا: تكون رمزا للسيادة خلال الفترة الانتقالية.
ثالثا:تشارك في الدفاع عن البلاد الي جانب القوتين.
رابعا:تكون النواة لجيش السودان مستقبلا(في حالة الوحدة).
خامسا: تكون مشاركة في إعادة بناء البلاد.
انا لا ادعي تقديم تقييما لمدي تنفيذ برتوكول الترتيبات الامنية او الوحدات المشتركة/ المدمجة بل اسعى جاهدا لبحث مكامن الخوف و الهلع و عدم توفر الامن و الاستقرار الذي يعيشه اهلي في اعالي النيل و بقية المناطق التي تتقاتل و تتناهر فيها تلك القوات . بل استنجد اولي الامر منا لاستدارك ما يمكن استداركه لنري الامن بأم اعيوننا و نلحق بركب النهضة و الازدهار الذي يشهده العالم من حولنا ، لانه لا تنمية او ازدهار بلا امن و استقرار و هذين من المعضلات التي ابقت بأفريقيا في غياهب الظلمات و التخلف . واصرخ في وجه حكامنا بان الجوع و المرض لم يتركا جسدا يحتمل تلك الحروب السلمية(شعب يعيش تحت وطأة الحرب و الجوع و قادة/ حكام يعشيون الحياة الرغد و النعيم).
زيارتي الاخيرة الى مدينة ملكال بعد احداثها الاخيرة و حالة التوجس الامني الذي وجدتهم يعيشونها و ما اصابة المدينة من خراب و دمار بعد حهد و اجتهاد ابناءها لخلق ظروف معيشية افضل ؛ و كذلك من الانتشار الملفت لاصحاب/ جنود القبعات الزرقاء اللذين لا حول و لا قوة لهم لحماية هولاء المواطنيين من نيران الصديقين المتشاكسين. و ايقنت تماما ان تلك القبعات الزرقاء ما هى الا لحماية الاجنبي و ليسوا لحفظ السلام كما يحلو دائما و ينحصر دورهم الفعلى في جمع الاجانب من بين المواطنيين و اجلائهم الى جوبا او الخرطوم او نيروبي . كل ذلك من الامور جعلتني استل من جعبتي قلمي المغبر هذا لاكتب لكم عن معاناة شعبي و استغيث لنجدتهم.
بعد تلك المقدمة المطولة عن القوات تلك و عن مقالي هذا, دعنا ندخل في حسابات الربح و الخسارة بميزان الامن و الاستقرار للشعب السودانى و الجنوبي بالوجه الخصوص و من وجهة نظري اري و اعتقد بان الشعب الجنوبي هو الخاسر الاول و الاخير من وجود تلك القوات باراضيه و من ممارساتها الوحشة تلك واصبحت مصدر خوف و قلق شديدين خلافا للأسباب المنطقية/ الامنية لوجودها.
اصبح تلك القوات كالغول او شبح يجول مشية و ذهابا بين ارجاء الجنوب فلم تسلم الجنوب من انفلاتات افرادها و ما شاهدناه في كل من منطقة ابيي و ملكال مرتين ليس ببعيد عن اذهاننا و هي تمثل اكبر بل اخطر مظاهر عدم الاندماج او الاشتراك التي وسمت بها اسمها ، فبرهنت بذلك عدم وحدتها في اي شئ يذكر ! فماذا يرجي من جسم يعانى من عدم وجود الوحدة و التوحد بين افرادها؟ و من جنود لا تجمعهم عقيدة مشتركة؟ ومن قوات تفتقد لمعينات تدمجمهم بعضعهم بالبعض؟ و هذه مبادئ مشتقة من اسمها و بالتالي تعتبر من الاعمدة الاساسية لقيامها.
عليه اري ان الاسباب الرئيسية لفشلها في استباب/ استدامة أمنها و أمن غيرها من الموطنيين بل مساهمتها في عدم الامن و الاستقرار الذي يعيشه الجنوب ( احدث فبرائر2009في ملكال نموذجا) في الاتي:
اولا : عدم خلق/انشاء علاقات جديدة او اتاحة فرص كافية للتداخل فيما بينهم و تركهم في الحالة العدوانية السابقة التي ابقت بكل فرد داخل اي من المجموعتين بمثابة عدوا لدودا للطرف الاخر(لكل فئة مساكنها وسفراتها بل معسكراتها المنفصلة ) و فوق كل هذا نفترض فيهم الاندماج و الاشتراك! أليس بهذه الحالة يسهل استخدام اي منها بواسطة اصحاب الاجندة الخفية متسلقي النفوذ الملتوية و ذوي المأرب الخاصة!.
ثانيا : عدم وجود عقيدة عسكرية مشتركة للهذه القوات , فالعقيدة العسكرية تعتبر بمثابة وحدة الذات والروح عند العسكريين و عندها يسمؤن فوق خلافاتهم .و الا ما الاقتتال داخل الجيش المشترك و المندمج؟ و آليس هذا تمردا بلغة العسكر؟ و هنا اتسأل هل تم صياغة المبدأ العسكري المشترك لتلك القوات المشتركة؟ و اين روحها بين هؤلاء الجنود المتقاتليين ليخلفوا وراءهم مئات من الضحايا الابرياء من المواطنيين الشرفاء؟
ثالثا: عدم وجود ايديولوجي عقائدي توفق بينهم ( لا يشترط وجود واحدة تجمعمهم جميعا و هذا ما لا يمكن توفره اطلاقا ) و لكن بدلا من ذلك احتفظ كل طرف بعقيدته الذي هو بمثابة طرفي نقيض للأخر( علماني لا دينى عند افراد الجيش الشعبي و اخري اسلاموعربية عند افراد القوات المسلحة).و بالتالي يمكن تغذية رافد القوات المسلحة من قبل اوعية الارهاب الدولية عن ضعاف النفوس منا ، و عندها نقول الويل لك يا ارض الجدود و الآب.
رابعا: عدم توفر سمة التعليم و طغيان صفة الجهل و الامية بل و التخلف علي السواد الاعظم منهم(عدا القليل من قادتها و ضباطها) مما جعلتهم لقمة سائغة عند اعداء الامن و الاستقرار و جعلوهم ادواة لبطش المواطنيين في ملكال و غيرها.
خامسا: سيادة روح القبيلة و القبلية ؛ مثلا في ولاية أعالي النيل نجد ان الدينكا يمثلون الاغلبية في وحدات الجيش الشعبي و النوير كذلك في وحدات القوات المسلحة( و لا ادري ان كان ذلك متعمدا بفعل فاعل خبيث) بالتالي تحول صراعهما التاريخي الي هذه الوحدات المشتركة/ المدمجة وحولتها الي شبح اخاف و لا زال يخيف الكثيرين في وطنهم المحبوب.
سادسا: تجاهل و اهمال ادارة تلك القوات من قبل رئاسة الجمهورية و ادارات و قيادات الجيشين نسبة لانشغالها بقسمة السلطة و الثروة واتجاة القادة نحو السياسة علي حساب الامور العسكرية مما جعل بعضهم يتخذون قرارت قاتلة و مميتة بعيدة كل البعد عن الوقائع في الميدان ادت بحياة الكثيرين من الابرياء و ليست حادثة اللواء قبريال تانق الاخيرة في ملكال ببعيدة عن الاذهان.
سابعا: افتقاد الكثيرين منهم للتربية الوطنية الحقة و هنا تاتي افتراضية اعداد مواد دعوية و توعوية بهذا الصدد الوطني لخلق جيل وطني غيور و محب لبلاده و مواطنه( نواة جيش السودان المفترض) بدلا من تلك الشرزمة التي مارست السلب و النهب نهارا جهارا و الترويع و التقتيل ضد مواطنه الاعزل.
عليه اري ان الوحدات المشتركة/المدمجة لم تقدم انموذجا جيدا لتكون مصدر امن و امان و الاستقرار لشعب جنوب السودان او نواة خصب لمشروع الجيش السوداني القومي(في حالة الوحدة التي ارها بعيدة المنال في ظل الظروف الحالية) ، بل مارست الخوف و الرعب و القتل و التنكيل بجانب السلب و النهب( وهل نرجو من نافخ الكير طيبا) . و عليه لم يجد المواطن وساما جميلا ليضعه علي جبين تلك القوات وفاءا لها واكراما لدورها.
آتي و اختتم قائلا لقادة البلاد و العباد هذه هي حالة قواتنا المشتركة اليوم قبل غدا ، و لازال امامنا مشوار عامان و الطريق وعرا جدا و الكثيرون يترصدون بخطواتنا لنسقط و من ثم يهبون لنهب ارض اجدادنا بثرواتها و من تحت بنيها ؛ فهبوا اليها و اصلحوا حال تلك القوات وانهضوا بها فوق هامة الامم....